Jump to Navigation

نم يا صغيري

لن أتحدث مطولاً عن الفرحة التي استوطنت قلوبنا حين علمنا بأن هناك فرداً صغيراً سينضم لعائلتي الكبيرة، وسيكون أخي أباه، ولن أتحدث عن الفرحة الثانية حين علمنا أن هناك صبياً سيأتي ليزين حياتنا، سأبدأ بالحكاية من حيث صرخت بوجه الدنيا متمرداً حين أبصرت عيناك النور، واستنشقت هوائها.
حين رفضت من تسمى بوالدتك أن تأخذك بين ذراعيها وتضمك لصدرها، وتخلت عنك كأنها لم تنجبك يوماً، كأنك لم تكبر بين أحشائها، ولم تنبض دقات قلبك بها، كأنها لم تعش ألم الولادة، وكأنك لم تعدها للحياة مجدداً بعد ممات ، فاستعجلت أنت الرحيل.
رحلت باكراً وودعتتنا بهدوء، كان رحيلك هادئا كأنت، كيف لي أن أنساك وان انسى آآآلامك لحظة موتك وانا على يقين تام بأنك اتسنجدت لكن لا مجيب.
بمن تستنجد؟!! أتستنجد بقلوب أتلفها الزمان، جردها من الانسانية لحد الانتقام منك، آآآه على أباك الذي لم يرغب بفراقك، كأن قلبه كان دليله بما سيصيبك في تلك الليلة التي شاء هو أم أبى ارادتك أن تكون بعيداً عنه، أوقفه الزمن مقيداً أمام جبروت عاصفة قاتلة، لا يستطيع أن يقدم لك أمامها الا بضع حب وحنان ممزوجين بغصة الفراق؟

كنت أسمع عما يحدث في دنيانا العجيبة من أحداث لا يستطيع العقل البشري تصورها، تارة أم تقتل طفلها، وتارة أخرى يقتل ابن أمه، أو أباه، يقتل الأخ أخاه، وحشية الحيوان تنعكس على البشر بصورة مماثلة تماماً، فقدان العقل ذاته لا اختلاف!
كُتب لك يا صغيري قدر قاسي، حاكته لك أمك بحليب صدرها الذي نزل عليك كالسم ليبتلع روحك منك، دون محاولة جدية منها بأنقاذك، تركتك مشردقاً بسُمها ، لتحاول قذفه من فمك الصغير بقوة، تقاومه لعلّها تشفع لك بأن تبقيك بجانبها، ذمبك الوحيد يا  صغيري أنك ابن أم جبروتها وقسوتها، تخطت كلّ سطور الرحمة، فقتلتك...بإهمالها!
أعلم أن الجانب الآخر من الدنيا أهنأ لك من دنيانا، أعلم جيداً أنك طير يرفرف في الفردوس، تغرد بنفس الصوت الذي كنت أصحو عليه كل صباح، كم أحن اليك، واشتاق أن أعانقك بين ذراعي، أشتم منك رائحة المسك، لا نملك بديلاً عنك نعلق كل الأمال به، لا نملك من يعيد تلك الضحكة التي كنت ترسمها بوجودك على قلوبنا.
كل الوجع يسكننا نحن، ألم الفراق يمزقنا نحن، بعد المسافات يشق طريقه بجوارحنا فيمر كالمشرط ليمزقها فتصبح فتاتاً صغيرة فيقطع معها الوريد الواصل للروح تاركتة ورائها أجساداً بالية بلا روح.

لم استطع رؤيتك ممدداً دون نبض، دون أن تحرك أطرافك الصغيرة، دون أن تنظر الي لتودعني، فلم يعد هناك من يرمي براسه على كتف جده والذي طالما شبهك بحبة التفاح من شدة المه على رؤياك ممدد في سرير الموت وحدك، لم يعد هناك من يداعب جدته، نم يا صغيري فوالله قلوبنا انفترت على فراقك، وتعصرت من ألمها فاستودعناك عند الله حيث لاتضيع الودائع عنده..

التدوينات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي زمن برس.


.
x

حمّل تطبيق زمن برس مجاناً

Get it on Google Play