Jump to Navigation

"زوجة الضيف".. أكلت العسل من "قعر النار"!

ملحوظة: هذا النص يتضمن توثيقًا لما أفصح عنه في الحكاية الكاملة للشهيدة "وداد عصفورة" زوجة "محمد الضيف" القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، استنادًا إلى ما أخبرتنا به والدتها "أم إبراهيم"، وأختها "إيمان عصفورة".

يا لؤلؤ الروح المكنون، ويا تاج القلب وصمام أمانه، يا "رجل بأمة" يعيش خاتمي في "بُنصر" يسراه، يا "ضيف" كان كل لقاء جمعني به هو في حد ذاته "مغنم"، يا من على يديه عشت الفرح بعد طول دموع.

لأول مرة تدخل "التاريخ" قصة حب في يوم رحيل أحد طرفيها، ولحسن حظي أن أكون المرأة التي ترحل لأجل أن يعيش رجلها ويواصل قيادة جيشه وبناء ترسانته العسكرية، وكيف لا أفعل وقد عشت معه سنواتٍ كنت فيها إلى جواره "ملكة الملكات"، مع أن طريقة حياتنا استثنائية ومتنقلة؟!

اليوم بوسع اسمي واسم "محمد دياب الضيف" أن يُزفّان علانيةً أمام العالم كله على سجادة حمراء طويلة، فالنجوم الحقيقية مكانها ليس في سماء الأضواء، بل في الأنفاق ثمة نجوم "مخفية" لابد أن تحين اللحظة لتجد فتحة النور، ويشهد سكان الأرض على جمال لألأتها.

أعرف أنك على عجلةٍ من أمرك، أنثاك الهادئة الكتومة المتحفظة مع ضيق الوقت وحلكة الساعات العصيبة طامعةٌ في أن يصغي "أكبر عدو للعدوة الأكبر لنا" إلى ثرثرة "وداده"، أولستُ أنا "جنديتك" المجهولة كسائر جنود قسامك؟!

تعال هنا اجلس قليلًا بقربي للمرة الأخيرة وأنت ترتدي لباسك العسكري، فأنت فيه تبدو وسيمًا أكثر مما تتوقع، أكثر مما لو ارتديتَ قميصًا أبيض وربطة عنق حمراء، كما يفعل الساسة وأصحاب النفوذ، ولتدع مسك "عرق المعارك" يفوح، إنه عطرٌ تحمل "ماركته" اسم "ضيف"، وتنهزم في حضرته العطور الفرنسية وزهور الفل أيضًا.

أمي هي من خطبته

شديدة البراءة والحذر كنت في طفولتي إلى درجة أن أختي إيمان التي تكبرني بعام وهي "ظل روحي" وأقرب أخواتي الأربعة إلي كانت دائمًا تضحك مني، كبرنا وهي لا تزال تذكرني حين كنا نذهب إلى المدرسة معًا ونقطع الشارع، فما إن أرى سيارة من بعيد حتى أصرّ على عدم قطعه إلى أن تمر، فتنزعج إيمان مني مُوبخةً إياي: "مهل عليك يا ست وداد!، أنا هسيبك؛ لأنه الجرس هيرّن".

منذ صغري وأنا معجبة بالسلوك "الملتزم" لأخي إبراهيم، تأثرت به كثيرًا، وكنت أطيعه دومًا كما لو كان أبي، أذكر حين كان في "التوجيهي" أني كنت أوقظه فجرًا كي يستذكر دروسه، أما أمي الحبيبة صاحبة إشراقة الوجه الذي ينافس الشمس في ضوئها فكانت دومًا تقول: "أنا لا أزوّج بناتي إلا من كتائب القسام وبس"، لقد منحتني وسام التميز حين أكدت أني منذ صباي تميزت من سائر إخوتي بأني أكثرهم حرصًا على حفظ القرآن، واستعدادًا للتسامح وتقديم التنازل حتى لو كان الحق معي.

أحبك _يا أمي_ ضعفين وأنت تعيدين على مسمعي قصة زواجي بـــ"محمد الضيف"؛ لأن روايتك تصحبها عادة ضحكة فخر أبعد ما تكون عن "تفاخر أجوف"، حدث ذلك قبل ست سنوات وفي جلسة سمر ذُكر فيها أن زوجة هذا الرجل لم يقدر الله لها الإنجاب وقتها، حتى إنها أجرت أكثر من عملية لزراعة الأنابيب ولكن بلا نتيجة، رفض بشدة أن يتزوج بأخرى، لكن المحيطين به ألحوا عليه أنه لابد أن يكون له ولد يحمل اسمه، عندها سارعت أمي بعفوية إلى القول: "والله لو يطلب واحدة من بناتي لأعطيه؛ لأنه هدا شرف إلنا"، ونقل كلامها إليه، فإذا هو يرسل في اليوم التالي مباشرة في أمر خطبتي.

"لذيذٌ" هو تعليقك _يا أمي_: "أنا من "خطبته" لابنتي، وليس العكس"، و"الألذ" من ذلك رؤيتها التي تعبر عنها بمثلٍ شعبي لا تنفك تردده: "غبّة من السبع ولا الندل كله"، في إشارة منها إلى أن الزواج برجلٍ حقيقي _مهما كانت الصعوبات_ أفضل من زوجٍ لا يملك الخُلق.

قبل القرار قلقٌ وصراع

في روحي يتغلغل رجلان من القسام، وبهما قلبي صار خريطة لوطنٍ مغتصب، قلبٌ ليس من السهل أبدًا أن تدرك شكله النساء المترفات، إنه قلب لا يكسره الفراق حتى لو طاله الحزن والتعب، قلبٌ شريانه الأول اسمه "بلال قصيعة"، وكم يشقّ على "امرأةٍ صغيرة" في السادسة عشرة أن تستوعب أن شغفها الأول لن يكون موجودًا بعد قضائها ثلاث سنوات سعيدة معه!

كان "حنان" بلال شلالًا غمر أعماق أعماقي، قبل استشهاده بأيام أخذني إلى السوق واشترى كسوة جديدة لي ولولدَي بكر وبنان، وأخبرني يومها أنني "حامل"، مع أن تحليل الحمل نفى ذلك، وبالفعل كانت ابنتي بيان تسكن في أحشائي.

بعد رحيله عشتُ ثلاث سنوات أخرى كـــ"بقايا حطام"، بكيته كثيرًا إلى الحد الذي جعل عائلتي تشفق علي، وحين وقفت أمام جثمانه "مفجوعة" رفضت القول: "اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها"، وكان ردي كرد "أم سلمة"، فقلت: "وهل هناك خير من بلال؟!"، لكني تحت ضغط الإلحاح قلتها "في سري"؛ ليكون "محمد الضيف" قدري الجميل القادم بعد رفضي فكرة الزواج قبله، وقتها قالت أمي: "وداد ستكون كمن يأكل العسل من قعر النار".

كنت تريدها أرملةً لها أيتام، وكان طلبي الوحيد منك _يا أبا خالد_ أن يبقى أبنائي معي، وبذلك التقينا في النقطة نفسها، لا أنكر أنه تملكني صراع كبير قبل الموافقة عليك، خفتُ كثيرًا أن يكون زواجي منك خيانةً لبلال، وساورني القلق بأن تتكرر المأساة فيصبح أبنائي الجدد كذلك بلا أب، وخفت أكثر أن أستشهد أنا كذلك فيصبحون جميعهم بلا أم، لكن ثمة منام رأيته في بلالٍ أعطاني الجواب الشافي.

وكأنه كان حلمًا، ويا إلهي ما أجمله من حلم تحقق في "ظرف ساعات"!، عام 2008م أتذكر أني قلت لإيمان بعد زواجنا: "سمعت عنه كثيرًا، ولكن قط قط لم أتصور أن الأمر سيكون مختلفًا حين أعيش معه، والله لو عشت معه أيامًا معدودة لكانت بالعمر كله"، يقول الاحتلال: "إن "الضيف" تزوج على عجل؛ لأنه "نصف إنسان"، وإنه ليس جزءًا من الإرهاب، بل الإرهاب جزء منه"، وأنا بابتسامة باردة أقول: "قل موتوا بغيظكم".

هديتي أن أجدك أمامي

يا رجل دوخ (إسرائيل) فجن جنونها أن ترى أفعالك ولا ترى شكلك، ولا تنجح محاولاتها لتصفيتك، يا بطل يتمنى الشعب كله أن يرى "خيال ظلك"، ولو من بعيد، أنا وحدي من أحفظ لون عينيك، ومسامات وجهك، وطول قامتك، ومقدار السكر الذي تفضله في شايك، وشكل فرشاة أسنانك، أنا من تعرف الجزء الذي يخصني من أسرار طباعك، وكأن الله هيأني لأكون على "مقاس" أسطورة" مثلك، فالجميع يعلم أني أبعد ما يكون عن الفضول، علاوة على تحفظي بدرجة زائدة على خصوصياتي.

لم يكن لــ"عُشّنا" عنوان يُعرف، فعناويننا يحوطها "السياج الأمني"، ولا من المتاح معلومة تفيد أنني زوجة المطلوب رقم "1" إلا لأقرب المقربين، فحين بدأ الخبر يتسرب عاتب أقاربنا أهلي: "لم توقّعوا عقد قرانها بل عقد شهادتها"، وجواب "تشابه أسماء" يكون حاضرًا لكل من يدقق في أوراق أبنائي الرسمية.

في قصة من هذا النوع ليس مسموحًا لبطليها أن يتشاركا في نزهةٍ أو زيارةٍ عائلية أو في اتصال هاتفي ناعم، البحر نفسه لا يصدق أنه لم يرنا _ولو مرة_ كبقية الناس نمشي حافيين على رمال شاطئه، وأنت البارع في محو آثار الخطى.

كل ما كنت أفكر فيه كيف لي أن أبذل أقصى جهدي لإسعادك، كنت أتحسس بواطن راحتك في لباسك وطعامك، لاسيما في صنع الأكلات الشعبية التي كنت تحبها، كانت كلمة أمك (رحمها الله) ترنّ في أذني: "شفت على وشها الخير يمّا".

ما زلت أتذكر تقاسيم وجهك في موقف كان له وقعه في نفسي أول أيام زواجنا، حين أعطيتني درسًا في اليقين: "قد أعيش معكِ _يا وداد_ أيامًا معدودة فحسب، وقد يكتب الله لي الحياة عقودًا طويلة، فها هو خالد بن الوليد أثخن في العدو ومات على فراشه، لكن أقصى ما أتمناه أن ألقى الله شهيدًا".

من اليوم الأول معك انقلب حالي وصرت "بلبلًا" يغني للحياة دون أي شعورٍ بفارق العمر بيننا، كنت كمن تطير في السماء حين ترسل لي بـ"طريقتك الخاصة" لأجل الحضور إلى مكان تحدده وتكون المفاجأة أن أجدك، فتكون أنت "هديتي" الأحلى التي لا ترفض لي طلبًا، ولو فعلت شيئًا لا يروقك تلفت نظري بطريقة اللوم الجميل.

كنت أدثّرك بصوتي وأنا أقول: "لا أستطيع أن أتصور أن تستشهد قبلي؛ لأني لا أطيق أن يتكرر وجع الفاجعة"، قلتها لك بصدق ودفء متناهٍ يا محمد: "روحي فداك يا سيدي".

إنسان بمعنى الكلمة

لطالما سألت نفسي أي نبلٍ وكرم أخلاق هذا اللذين يجعلانك تتغلب على مشاعر التملك، وربما الغيرة، فتتيح مساحة من الحديث عن حياتي السابقة مع بلال، بل إنك كنت تناديني بــــ"أم بكر" إكرامًا لتلك المرحلة، كنت تحرص باستمرار على السؤال عن أحوال أهل بلال، أبتسم طويلًا كلما تذكرت حماتي "أم بلال" وهي توصيني بألا آتي على ذكر الماضي أمامك _يا أبا خالد_ خوفًا من أن تغار، فأجيبها: "ما الذي تقولينه يا عمتي؟!، هو بنفسه من يبادر بالحديث عن ذلك، ويهتم بإكرام أبنائي من أبي بكر".

أحيانًا كنت أتفاجأ بأن هذا الذي قلب معادلة المعركة مع "اليهود" مازال يملك القدرة على المبادرة بلفتاتٍ رومانسية، أتذكر حين فاجأتني يومًا بإحضار ملابس كثيرة لي ولأبنائنا عمر وعلي وحليمة وسارة، يومها فكرت في توزيع جزء منها على المحتاجين، وقلت: "لكن مش هاين علي لأنها ذكرى منك"، وكنت أقف مذهولة حين أجد قائد الجيش الذي أبدع برًّا وبحرًّا وجوًّا مستمتعًا ومنهمكًا في ملاعبة أطفاله، خاصة "حبيبه" آخر العنقود "علي"، ويزداد عجبي من حجم خوفك عليهم إلى الحد الذي كنت فيه تطلب مني إغلاق النوافذ؛ حتى لا يدخل "الهواء" فيؤذيهم.

لم يحدث أن ضمنا "إطار صورة" التقطت لنا في مناسبة عند "المصوراتي"، هي صورة واحدة أو أكثر تحاول (إسرائيل) أن ترسم بمخيلتها فيها أقرب ما يكون من ملامحك، ولم يكن بعدي عن وسائل الاتصال الحديثة يكدر صفوي، فلا جوال ولا (فيس بوك) ولا أي وسيلة تخترق "الهوس الأمني" الذي أصبحت عليه، كنت أبعد ما يكون عن حب الظهور أو ما يسمونه "الفشخرة"، كان التواضع والصبر والسرية والقوة "رباعية الضيف" التي تشرّبتها منه.

وفي مجالس النساء كنت أؤثر الصمت إلى درجة أن أختي إيمان كانت تمازحني بقولها: "والله _يا أختي يا وداد_ لو تحلفي لهم أنك "مرت الضيف" ما يصدقوك".

للمرة الأولى يلتقيان

كلٌّ يتساءل عن "الفصل الأخير" في الحكاية، حين قرعت طبول الحرب مضت أيام عصيبة، وما يمكنني التصريح به أن أبا خالد كان يحمل هم الناس كثيرًا، ومن بين ما أوجعه من حكايات الحرب هي تلك المرأة التي ظهرت على إحدى الفضائيات، فبعد استهداف بيتها كُف بصرها واستشهد أبناؤها وهي لا تعلم.

وفي الهدنة الأولى وصل إلي بطريقةٍ ما أن ابنتي الصغرى بيان تبكي، حيث كانت تقيم مع أخويها بكر وبنان في بيت جدهم، حين سألوها عن سبب بكائها قالت: "الطيارات بتقصف، أنا خايفة ماما تموت زي ما بابا مات"، عندئذ سارعت إليها، كنت أرتدي جلبابًا أخضر جديدًا، ربما كنت "أتجمل" للشهادة، وكعادة إيمان عاكستني بقولها: "فايقة ورايقة يا أم بكر".

ذبت شوقًا في الهدنة الأخيرة، وأخبرتهم أني "في الغد" _إن شاء الله_ سأزورهم، بناء على الأخبار التي تواردت عن وقف إطلاق النار، وصدقت الوعد، فقد جئت "محملة على الأكتاف" بعد خرق "الاحتلال" المفاجئ للتهدئة؛ طمعًا منه في اغتيال "الهدف الثمين"، وكانت المفارقة أن أول من زار بيت العزاء هما عائلة بلال وعائلة محمد، كانت هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها الطرفان.

بدمعك امسح "زناد البندقية"

أعرف _يا إيمان_ أنها كانت لحظات صعبة عليك بعد سماعك باستهداف منزل عائلة الدلو في غزة، حين شاهدتِ صورة عمر على وسائل الإعلام ينظر حوله ولا يجد أحدًا يعرفه، أما أنت فلا تجرئين على الاتصال بأي شخص للتحقق من الأمر؛ خوفًا من أي عواقب أمنية، لذا انتظرت أن تعلن الصحافة الخبر، صعبٌ عليك _يا إيمان_ أن تري الآن حليمة وهي تجمع الحلويات والفواكه والبالونات لتصنع منها "جنة" كتلك التي ذهبت إليها أمها، وكان أصعب أن تهمي بإخبار بكر وأخواته فيعرفون من دموعك أني "لم أعد هنا"، وكان شاقًّا على طفلة كـــ"بنان" أن تقف أمام جثماني وتردد: "اللهم أسكن أبي وأمي في الفردوس الأعلى".

قبل أن تطلق الطائرات الحربية صواريخها بلحظات كنت سعيدة جدًّا، أحتسي القهوة، وأتحدث عن أبنائي و"غلبتهم"، عمر هرع إلى حليمة بعيدًا، أما أنا وعلي وسارة فكنا على موعد مع الرحيل.

أستطيع الآن أن أرى دموعك العذبة _يا محمد الضيف_ وهي تترقرق بصمت، وأنت تسترجع ما سبق ومواقف أخرى بيننا لا يعلم دفء تفاصيلها إلا الله، ابكِ _يا محمد الضيف_ ولا تحبس دمعك ولتمسح به زناد البندقية، فدموع المجازر لا تنقص من قدر الرجال بل تزيدهم عزمًا وألقًا، احزن لكن أرجوك لا تطل الحزن ولا تعتب على شهر "آب" الذي فيه "صواريخهم" طالت قرة عينك "وداد" وفلذتي كبدك "علي وسارة"، فأنت فقط من تعلم أني أحب "آب"؛ لأنه فيه يُولد "شامخون" مثلك يقودون رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه. 

 

المصدر: صحيفة فلسطين

التدوينات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي زمن برس.


.
x

حمّل تطبيق زمن برس مجاناً

Get it on Google Play