اغتصاب.. تحت مظلة الزواج!

غزة/ سناء كمال – خاص زمن برس
تكتمل حياة الرجل الطبيعية بارتباطه بنصفه الآخر، باختلاف مهنته ومكانته الاجتماعية والدينية، يصبح سوياً متوازناً قادراً على تسيير أمور الحياة بطريقة سلسة تخدمه شخصيا وتخدم مجتمعه.
وكذلك الحال بالنسبة للمرأة التي لا تشعر باستقرار دون زوج يحنو عليها، ويحبها، ويحميها ويشعرها بأنوثتها التي خلقها الله بها. ولكن حين تتحول المرأة إلى مجرد كائن لا حول لها ولا قوة إلا أن ترضخ لعنف وسادية رجل، أجبرتها عادات وتقاليد وربما ظروف قاهرة على العيش معه لسنوات لا تعرف عددها ونهايتها.
في تقريرنا هذا نستعرض قصص سيدات بأعداد ليست كبيرة ولم تصل حد ظاهرة، لكنها موجودة، تزداد أعدادها بين الفينة والأخرى، تعرضن لاغتصاب متواصل له غطاء قانوني ومجتمعي، لا يحق للضحية أن تعلن عن ظلمها، حتى وإن حاولت تصبح غير سوية تبحث عن شهوة لا عن "سترة".
عادات وتقاليد
"منى" ثلاثينية العمر، متزوجة منذ 17 عاما من ابن خالتها رغم رفضها له لسمعته السيئة، ورضخت لعادات وتقاليد عائلتها التي لا تزوج بناتها لغرباء.
تم عقد القران والتجهيز للزفاف خلال أسبوعين، لم تره فيها سوى مرة واحدة حين ألبسها خاتم الخطوبة.
وتقول منى:" توسلت أهلي ألا أتزوجه لأنه يخيفني ولكنهم ضربوني وأجبروني على الزواج، وأخبرتني والدتي أنه بإمكاني التحكم به من خلال المعاشرة الزوجية التي يخضع فيها الرجال لنسائهم عادة، وتم الزواج وفي البداية كان طيباً جداً معي محباً لي وسوي على الرغم من سمعته السيئة".
وتتابع:" المشكلة الكبرى بدأت من بيت أهله – وهو بيت خالتي –كنت أعيش معهم ولدي 4 من الأسلاف، سلفي الأكبر بدأ يتحرش بي، صددته في كل مرة دون إخبار أحد، وفي لحظة ما انتبه شقيقه الأصغر لما يفعله، وأخبر زوجي ناصحاً إياه أن يترك البيت ويستقر لوحده".
نصيحة استمع إليها زوجها، لكنها لم تعلم بأن حياتها ستنقلب جحيماً، خاصة وأنه حملها مسؤولية التحرش بها، واستطاع أن يحول علاقتهما الحميمة إلى أشد أنواع التعذيب لها جسديا ونفسياً.
وتضيف:" كان يضربني ويهينيي ويشتم أهلي، وسلوكه يزداد وحشية معي كلما تذكر فعلة أخيه، ويتفنن بتعذيبي بعلاقتنا الحميمة بدلاً من أن يكون حنوناً يضربني أولاً ثم يمسك بيدي بقوة كبيرة ، ويقذفني على السرير دون أي مقدمات ويعاشرني، معاشرة الحيوانات دون انتباه لجسدي أو مشاعري، فقط يريد أن ينتقم من جمالي الذي أثار أخيه".
تتحسر على نفسها وهي تستذكر تلك اللحظات وتسيل دموعها ثم تتابع:" العملية لا تأخذ دقائق معدودة لكنها تكون بالنسبة لي سنين، لا يمارس خلالها الطقوس الزوجية .. وعندما ينتهي هو، يبصق في وجهي ويرمي بي آخر السرير ويبدأ نومه، يتركني بحسرتي وبكائي حتى الصباح".
عشر سنوات تعيش منى مأساتها، وحين أخبرت والدتها بما يجري معها نهرتها وأمرتها بالبقاء في بيتها، بحجة الزوجة ملك لزوجها ويحق له أن يفعل ما يريد، ومازالت حتى اليوم تعاني لا تعرف مصيرها أين.
مظاهر خداعة
"أمل" عشرينية، عاشت في ظل أسرة فقيرة، تقدم لخطبتها شاب ثري، مظهره جميل وعائلته ذات نفوذ، فكان فرصة ذهبية، ووافق ذويها عليه دون الإمعان بالسؤال عنه.
بدورهم استعجل أهل الشاب الزواج ، ولم يمض على خطبتها أكثر من أسبوع ونصف، لم تقابله خلالها سوى مرتين وبحضور والدته التي كانت دوما تجيب عنه.
وتقول أمل:" كل بنات الحارة كانوا يحسدوني على حظي اللي أجاني، ما بعرفوا انه راح يكون نكبتي للعمر كله"، وتتابع وهي تحبس دموعها:" كنت أشعر بأن مكروهاً ما سيصيبني عندهم ولكنني لم أعرف ما هو".
وتسرد قصتها:" ارتديت أجمل فستان في زفافي لكنه تحول لسجن من حديد في نفس اليوم، بعد انتهاء الفرح، ودخولي لغرفة النوم معه تفاجأت به يتشنج ويصرخ بأعلى صوته، ارتعشت أعضائي خوفا منه، تغير شكله وتغيرت ملامحه التي أعرفها، حاولت الهرب من الغرفة لكنها كانت مقفلة من الخارج فاختبأت بإحدى زوايا الغرفة حتى الصباح وهو ملقى على الأرض".
حاولت حماتها – التي كانت أغلقت الغرفة عليهم في الليل وتركت البيت وخرجت منه- في الصباح أن تشرح لها بأن هذا الوضع طبيعي أن يحدث مع ابنها لأنه أجهد في الفرح وكان يعمل كثيرا ربما من ذلك، أو من كثرة الحبوب "الترامال" التي أعطاه إياها أصدقائه، وراحت تدعي عليهم بالويل، استطاعت أن تهدئ كنتها وتقنعها للعودة مع زوجها للغرفة وألا تخبر أحدا من أهلها لأن الموضوع خاص بالأزواج.
لم تخبر أمل أحدا من أهلها أثناء زيارتهم لها، وكذبت عليهم بأنها أصبحت امرأة وأن زوجها إنسان رائع، غير أنها حين هموا بالمغادرة تعلقت بذراع والدتها وتوسلتها أن تأخذها، وتعيدها إلى بيتها، ضحكت والدتها وقالت :" هدا بيتك يا بنتي خلص بطلتي زغيرة"، وأمسكت بها حماتها لتدخلها البيت.
استمرت على نفس حال يوم زفافها أسبوعين، وحين هددت العائلة بفضح ابنهم وطلب الطلاق، ضربتها حماتها وساعدت ابنها على اغتصابها وفض غشاء بكارتها بالقوة.
ليلة لن تنساها أمل، التي اكتشفت بأن زوجها مصاب بالصرع من الدرجة الخطيرة، وأن أهله الأغنياء أخفوا الأمر عنهم، ولم تقف الأمور عند هذا الحد حيث أن الحماة منعتها من مغادرة المنزل بعد الحادثة التي تكررت عشرات المرات، ولا حتى لزيارة أهلها، الذين يطمئنون عليها من خلال الهاتف النقال فقط، وتكون حماتها لجانبها، إلى أن هربت في منتصف ليلة عاصفة إلى ذويها لتخبرهم بما جرى لها.
وتقول أمل وهي ترسم ابتسامة على وجهها لحصولها على الطلاق بعد سنتين في المحاكم:" المشكلة لا تكمن بهذه النوعية من الناس ، ولكن بالأهل الذين يسارعون لتزويج بناتهم دون النظر إلى مستقبلهن".
الأخصائية النفسية والاجتماعية رائدة وشاح أكدت أنها عالجت عدد من النساء اللاتي يتعرضن للعنف الجنسي – الاغتصاب-، حيث يتواصلن معها عبر الهاتف المجاني غالبا، مشيرة إلى أن هذه الحالات تعتبر حرجة نسبة لعادات وتقاليد مجتمع تحول دون الافصاح عن تلك المواضيع رغم أهميتها وخطورتها على الحالة النفسية والصحية والاجتماعية للنساء.
وأوضحت وشاح أنه بالفعل تتم عمليات اغتصاب للزوجات من قبل أزواجهن، ولكنهن لا يفصحن عنها إلا بعد عدة جلسات، وبطريقة غير مباشرة، مشيرة إلى أن أهم العوامل التي تؤدي لذلك تحامي هذا النوع من الرجال بالقانون الذي يكفل لهم نوعاً من الحماية، والعادات والتقاليد التي تحرم النساء الوعي الكامل بحقوقهن الزوجية، بما فيها العلاقة الحميمية التي تحتاج إلى ارتباط وثيق بكافة الأعصاب في الجسد.
وقالت:" من أهم الأسباب التي تؤدي إلى العنف الجنسي، هي انحرافات نفسية لدى الرجال، إضافة إلى قلة الوعي لدى النساء ، اللاتي غالبا ما يتربين على التبعية للرجل في كل ما يفعله، حتى وإن كانت منافية للطبيعية البشرية السوية".
وأضافت:" أغلب الرجال الذين يمارسون هذا العنف غير طبيعيين وهم متعاطين لمنشطات جنسية أو مخدرة"، منوهة إلى الآثار السلبية الناتحة عن ذلك من أهمها "إمكانية حدوث برود جنسي لدى النساء مما ينعكس سلبا على العلاقة، ولجوء أخريات للخيانة الزوجية للانتقام منه وهو ما يمثل خطراً كبيراً اجتماعياً ونفسياً عليهن".
المستشار القانوني يونس الطهراوي أكد عدم وجود أي نصوص قانونية تجرم بشكل واضح الاعتداء الجنسي على الزوجات، موضحاً" أن انتقاص مواد تحمي حقوق المرأة تعود إلى قدم قانون الأحوال الشخصية الذي أصدر عام 1936 في العهد العثماني، والذي حرره الانتداب البريطاني بغية حماية مصالح احتلالية وليست مصالح شعب".
وقال:" إضافة إلى أن الزوجات يخجلن من التوجه إلى مراكز الشرطة أو القضاء والإعلان عن هذا الجانب من العنف، تبعاً لعادات وتقاليد تحكمها وتمنعها من الإعلان عنه وبالتالي يبقى الموضوع طي الكتمان".
وتبقى المرأة رهينة تناقضات ما بين القانون والعادات والتقاليد من ناحية وما بين الدين الذي غالبا لا يفهمه مطبقوه، ويبقى التطرق إلى الثلاثية المحرمة الدين والسياسة والجنس بابٌ مغلق، حتى وإن زادت ضحاياه.
* أسماء الضحايا الواردة في التقرير هي أسماء مستعارة لكنها لشخصيات حقيقية سردت معاناتها لمراسلة زمن برس.