من استيلاء المستوطنين إلى "الشراء السري".. قصة المنازل الـ8 في الديوك التحتا غرب أريحا

زمن برس، فلسطين: لم يكن دخول عائلات من المستوطنين إلى منازل فلسطينية في قرية الديوك التحتا غرب أريحا، أمس الأربعاء، مجرد واقعة استيلاء على عقارات خالية من أصحابها؛ إذ سرعان ما فتح الحدث بابا واسعا من الأسئلة حول ملكية المنازل، ومزاعم بيعها والصفة القانونية للأراضي المقامة عليها، فضلا عن دور السلطة الفلسطينية.
وبينما تحدثت وسائل إعلام عبرية عن دخول مستوطنين إلى ثمانية منازل في الديوك التحتا بعد عملية شراء سرية قادتها حركة «نحالاه» الاستيطانية، قال محافظ أريحا والأغوار حسين حمايل إن المنازل التي جرى الاستيلاء عليها ثلاثة فقط، وإن الأرض حكومية، مشيرا إلى أن المحافظة شكلت خلية أزمة لجمع المعلومات والتحقق منها.
وأثارت الحادثة الخطيرة جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث طالب فلسطينيون بكشف أسماء أصحاب العقارات والجهات التي سجلت عمليات البيع المزعومة، فيما اتهم آخرون الجهات الرسمية بعدم القيام بدورها.
دخول استيطاني إلى الديوك التحتا تحت حماية الاحتلال
بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، اقتحم مستوطنون برفقة عائلاتهم المنازل الثمانية في الديوك التحتا، وحطموا أبوابها ودخلوها، فيما كانت خالية من أصحابها. وأفادت مصادر أمنية بأن المستوطنين ظلوا داخل المنازل، بالتزامن مع اقتحام قوات الاحتلال مدينة أريحا ومخيماتها وتسيير آلياتها في شوارع المدينة.
وتقع الديوك التحتا ضمن نطاق مدينة أريحا، فيما تقع المنازل موضوع القضية في منطقة مصنفة «ج» وفق اتفاقيات أوسلو. ويكتسب موقعها أهمية خاصة لقربها من مناطق مأهولة ومنازل فلسطينية، وهو ما يثير مخاوف من أن يؤدي تثبيت وجود المستوطنين فيها إلى فرض واقع جديد داخل محيط المدينة.
ولا تبدو الواقعة منفصلة عن سياق أوسع من الاعتداءات التي تتعرض لها المنطقة. فقد تحدث عضو اللجنة الأهلية في عين الديوك جهاد محاليس عن استيلاء مستوطنين سابقا على مراعي أغنام، وعن تلقي أكثر من عشرين منزلا إخطارات بالهدم، وهدم منازل أخرى، في محاولات قال إنها تستهدف دفع السكان إلى مغادرة المنطقة.
رواية الشراء السري في الديوك التحتا
في تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أمس الأربعاء، قالت إن عائلات يهودية دخلت ثمانية منازل في المنطقة «ج» قرب أريحا، بعد عملية شراء سرية بقيت طي الكتمان حتى لحظة دخول المستوطنين.
ووفق الرواية التي أوردها التقرير، قادت حركة «نحالاه» الاستيطانية العملية، بدعم ومرافقة من مجلس بنيامين الاستيطاني، فيما جرى تجهيز فرق أمنية لمرافقة دخول العائلات إلى المنازل. ونقل التقرير عن مجلس بنيامين ادعاءه أن المنازل تقع على ما وصفها بـ«أراضي الدولة»، وأن بعضها يقع قرب موقع قصور الحشمونيين الأثري على أطراف أريحا.
كما نقلت الصحيفة عن قادة الحركة قولهم إن المنازل اشتريت نقدا، وإن عمليات الشراء موثقة بوثائق ملكية. وقالت رئيسة حركة «نحالاه» دانييلا فايس إن الخطوة تمثل، وفق تعبيرها، «فصلا جديدا في تاريخ الاستيطان» في أريحا.
لكن ما ورد في التقرير بشأن الشراء والملكية يظل رواية منسوبة إلى الحركة والمجلس الاستيطاني، ولا يشكل بحد ذاته إثباتا مستقلا لصحة العقود أو قانونية التصرف بالعقارات. كما أن وصف الأرض بأنها «أراضي دولة» هو توصيف صادر عن مجلس بنيامين، وليس حكما قانونيا فلسطينيا مستقلا بشأن ملكيتها.
وفي المقابل، نقل التقرير عن متحدث باسم جيش الاحتلال قوله إن دخول المستوطنين إلى المنازل تم «دون تنسيق مسبق ودون إذن»، مضيفا أن إجراءات الشراء والآثار الأمنية المترتبة عليها تخضع للفحص من الجهات المختصة.
أما حركة «السلام الآن» الإسرائيلية، فقالت إن نحو ثلاثين مستوطنا، بعضهم مسلحون، وصلوا إلى المنطقة، واستولوا على عدة منازل في عين الديوك التحتا. ونقلت عن نشطاء حقوقيين إفادات عن اعتداءات طالت ناشطين، وإطلاق النار على فلسطيني وإصابته في ساقه.
محافظ أريحا: 3 منازل لا 8 في الديوك التحتا
في أول توضيح له، قال محافظ أريحا والأغوار حسين حمايل إن المحافظة شكلت خلية أزمة، وإنها بدأت جمع البيانات والتقارير المتعلقة بالحادثة، مشيرا إلى أن المعلومات المتاحة لديه في حينه تفيد بالاستيلاء على ثلاثة منازل، لا ثمانية.
وأكد حمايل أن الأرض التي جرى الاستيلاء عليها «أرض حكومية»، وكانت سابقا تابعة لخزينة المملكة الأردنية الهاشمية، لافتا إلى وجود إجراءات وإخطارات هدم صدرت خلال العامين السابقين بشأن أراض في المنطقة.
وفي ما يتعلق بادعاءات المستوطنين حول شراء المنازل، قال المحافظ إنه لا يريد نفي عمليات البيع أو تأكيدها قبل استكمال التحقق، لكنه وصف ما يجري الترويج له بأنه «مسرحية متكاملة الأركان»، وفق تعبيره، مشيرا إلى أن المحافظة لا تعتمد على الروايات المنشورة في مواقع المستوطنين، وأنها ستصدر بيانا رسميا بعد استكمال جمع المعلومات.
وفي تصريح لاحق، شدد حمايل على أن الأرض حكومية ولا يملك أحد حق بيعها، وذهب إلى أن ما جرى الترويج له «عملية تزوير وليست بيعا». كما كرر أن عدد المنازل التي يتحدث عنها ثلاثة وليس ثمانية.
"منازل قديمة وأصحابها من خارج أريحا"
عضو اللجنة الأهلية في عين الديوك جهاد محاليس قال إن الديوك التحتا قرية تقع ضمن حدود بلدية أريحا، وتبعد نحو كيلومترين عن مركز المدينة. وأوضح أن المنازل التي دخلها المستوطنون مبنية منذ أكثر من عشر سنوات في المنطقة المصنفة «ج»، وأنها تعود لأشخاص من خارج أريحا يترددون عليها بين الحين والآخر، وكانوا يعملون على تسوية أوضاعها القانونية.
وأضاف في تصريحات صحفية أن المنطقة تعرضت لاعتداءات متكررة، شملت الاستيلاء على مراعي الأغنام وهدم منازل وإصدار إخطارات هدم لأكثر من عشرين منزلا، مشيرا إلى أن نحو 50 دونما بمحاذاة المنازل شهدت عمليات هدم وزراعة من قبل المستوطنين، وفق إفادته.
وحذر محاليس من أن المنازل التي دخلها المستوطنون تجاور مساكن فلسطينية، ما يعني أن وجودهم قد يتحول إلى مصدر احتكاك دائم مع الأهالي، في ظل الحماية التي توفرها قوات الاحتلال لهم.
موقع يهدد المناطق والمنازل المجاورة
من جهته، قال المشرف العام على منظمة البيدر في أريحا حسن مليحات إن المنازل التي سيطر عليها المستوطنون تقع بالقرب من مركز المدينة، وإن موقعها يثير مخاوف من تشكيل خطر على المناطق والمواطنين المجاورين، ومن إقامة حي استيطاني في المنطقة.
وأوضح مليحات في تصريحات صحفية أن المنازل تقع في أراض مصنفة «ج» وتجاور أراضي مصنفة «أ»، مشيرا إلى وجود قوات الاحتلال في المنطقة لتوفير الحماية للمستوطنين.
وتتجاوز خطورة الموقع، وفق هذه القراءة، عدد المنازل التي دخلها المستوطنون؛ إذ إن تثبيت وجود استيطاني في نقطة قريبة من التجمعات الفلسطينية قد يفرض قيودا على حركة السكان، ويزيد الاحتكاك اليومي، ويفتح المجال أمام توسيع السيطرة على الأراضي المحيطة.
إدانة رسمية فلسطينية
بدوره، أدان رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح استيلاء مجموعات من المستوطنين على المنازل، واعتبره إرهابا منظما يجري، بحسب وصفه، بحماية حكومة الاحتلال، التي تشجع الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير.
وأكد فتوح أن أريحا أرض فلسطينية، وأن محاولات فرض الاستيطان فيها لا تمنح الاحتلال أي حق، مطالبا المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عملية لمحاسبة المسؤولين ووقف ما وصفه بالقرصنة الاستيطانية.
أين الأسماء والوثائق؟
وعكست التعليقات التي تداولها مستخدمون على منصات التواصل حالة من الغضب والقلق، لكنها أظهرت أيضا انقساما في تفسير ما جرى. فقد طالب محمود سعادة بالكشف عن أسماء أصحاب المنازل، داعيا إلى توضيح ما إذا كانت هناك عمليات بيع، وأين سجلت، ومحاسبة من يثبت تورطه.
وتساءل جميل أبو حسين عن موعد عقد مؤتمر صحفي يقدم رواية واضحة من المحافظة والحكومة، ويحدد ما إذا كان الأمر استيلاء أم أن هناك ادعاءات بيع تستند إلى وثائق، وما الذي ستفعله الجهات الرسمية في الحالتين.
أما عبد الرحمن شتية فطرح سؤالا بشأن السماح ببناء منازل على أرض توصف بأنها حكومية، إذا كان الأفراد لا يملكون حق التصرف بها، فيما رأى ناصر قواسمة أن تأخر جمع البيانات قد يتيح تثبيت واقع جديد على الأرض قبل حسم الرواية.
وفي تعليقات أخرى، استحضر مستخدمون تجارب سابقة للاستيلاء على عقارات في القدس، محذرين من أن يتحول التأخير في التوضيح والمحاسبة إلى أمر واقع. وذهب بعض المعلقين إلى اتهام جهات رسمية أو أفراد بالتواطؤ أو التستر، فيما طالب آخرون بمراجعة سجلات دائرة الأراضي والمساحة والوزارات ذات الصلة.
كما عبّر باجس سلمان عن مخاوف من أن تمتد السيطرة إلى مزيد من العقارات في أريحا، محذرا من أن تكون المنازل الثمانية بداية لمسار أوسع. وفي المقابل، قدم حمادة براهمة رواية مختلفة، قال فيها إن المنازل تعود لأشخاص ليسوا من أبناء أريحا أو القرى المجاورة، نافيا، وفق تقديره، أن يكون أبناء المدينة من باعوا هذه العقارات.
وفي رواية أخرى بشأن المنازل الثمانية، قال حمادة براهمة إن الأشخاص الذين تعود إليهم المنازل التي يدعي المستوطنون شراءها ليسوا من أبناء العشائر الأصلية في أريحا، ولا من سكان المدينة أو القرى المجاورة لها، وفق وصفه.
ورفض براهمة، في منشور له، الاتهامات التي قد تطال أهالي أريحا بشأن بيع أراضي المدينة للاحتلال، مؤكدا أن أبناء العشائر والعائلات المقيمة في المدينة منذ عقود لم يبيعوا أراضيهم، وأن أريحا لم تشهد، بحسب قوله، بيع أي شبر من أراضيها للاحتلال منذ عام 1948.
وأوضح أن المنازل الثمانية تقع في منطقة الديوك التحتا غرب مدينة أريحا، وليست داخل مركز المدينة كما جرى تداوله، مشددا على أن أصحابها ليسوا من أهالي أريحا الأصليين أو سكانها، ولا من سكان القرى المجاورة. ويعيد هذا التباين في الروايات تسليط الضوء على الحاجة إلى توضيح رسمي بشأن ملكية المنازل وملابسات انتقالها، في وقت يترقب فيه الأهالي نتائج خلية الأزمة التي شكلتها المحافظة.


