الانتخابات الإسرائيلية: مخاوف من جمود سياسي يقود إلى تجدد الحرب

زمن برس، فلسطين: تترقب إسرائيل ما ستفرزه نتائج انتخابات الكنيست المقررة غداً الثلاثاء، فالاستحقاق يتخذ طابعاً يوصف بأنه مصيري، نظراً إلى أن موعده يتزامن مع استكمال الاحتلال ثلاثة أعوامٍ من إبادة غزة، وتطهير عرقي جارٍ في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، توازياً مع قمع فلسطينيي الداخل، والحرب على دول المنطقة التي احتلت فيها إسرائيل أراضي جديدة.
ويحدث هذا كله بينما الاستحقاق الذي ستحدد نتائجه تركيبة الكنيست الـ26 يجرى في وقتٍ تجد دولة الاحتلال نفسها وقد تراجعت مكانتها العالمية بسبب سياسات حكومة يصفها خصومها الداخليون بـ"حكومة الخراب"؛ إذ هشّمت الصورة التي تطبّع معها المجتمع الدولي لعقود، قبل اكتشافه عهد بنيامين نتنياهو وشركائه المتجردين من أي خطٍ أحمر أو حدود. وإن يُقدّم خصوم نتنياهو أنفسهم كمن يسعى لإصلاح ما أفسده حكم نتنياهو، فإنّ مراجعة تاريخهم وبرامجهم السياسية عموماً تُظهر أنّ الجوهر لا يتغيّر كثيراً، فهم لا يختلفون عنه إلا في أساليب إدارة الصراع.
سيناريو نتائج الانتخابات الإسرائيلية
في ما يخص المشهد السياسي المتوقع أن يُفرز، أظهرت آخر استطلاعات الرأي في الشبكات التلفزيونية الإسرائيلية الكبرى، والتي انتهى نشرها يوم الجمعة الماضي، أن ائتلاف نتنياهو بعيد عن تحقيق الأغلبية البرلمانية. فقد توقعت الشبكات الثلاث (القنوات 11، 12، 13) حصول معسكر نتنياهو على 50 مقعداً فقط من أصل 120 مقعداً في الكنيست، أي أقل بـ17 مقعداً مما يملكه ائتلافه الحالي. كما توقعت الاستطلاعات أن يحصل حزب الليكود، الذي يشغل حالياً 32 مقعداً، على 20 مقعداً فقط.
في المقابل، منحت الاستطلاعات معسكر المعارضة بقيادة رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت ما بين 52 و56 مقعداً، بينما توقعت حصول القائمتين العربيتين على ما بين 14 و16 مقعداً. وتوقعت القناة 11 أيضاً حصول حزب يمثل جنود الاحتياط على أربعة مقاعد، وهو حزب لا ينتمي إلى أي من المعسكرين. أمّا القناة 14 المعروفة بتأييدها نتنياهو، فشكّلت الاستثناء الأبرز؛ إذ توقعت في استطلاع أُجري في وقت سابق من الأسبوع الماضي حصول معسكره على 60 مقعداً، وحصول حزب الليكود على 30 مقعداً.
أظهرت آخر استطلاعات الرأي في الشبكات التلفزيونية الإسرائيلية الكبرى أن ائتلاف نتنياهو بعيد عن تحقيق الأغلبية البرلمانية
وفي العموم، تشير هذه الاستطلاعات إلى احتمال حدوث حالة من الجمود السياسي، إذ لا يبدو أن نتنياهو أو زعيم "يشار" أيزنكوت يمتلك طريقاً واضحاً للوصول إلى المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل حكومة. وسيحتاج زعيم "يشار" إلى إشراك الأحزاب العربية في ائتلافه، وهو خيار استبعده، أو تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم هذه الأحزاب من خارج الائتلاف، وهو ترتيب يعارضه أيضاً بعض حلفائه المحتملين. أما تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع نتنياهو بخصومه، فيُعد احتمالاً مستبعداً للغاية، وفقاً لسناريوهات استعرضتها صحيفة "يديعوت أحرونوت"، الخميس الماضي.
وإذا عجز أي من المعسكرين عن تشكيل أغلبية حاكمة، فقد تواجه إسرائيل انتخابات جديدة، مع استمرار نتنياهو في السلطة بصفته رئيساً لحكومة تصريف الأعمال. وفي المحصلة، بدلاً من أن تفضي الانتخابات غداً إلى تشكيل حكومة جديدة أكثر استعداداً للتجاوب مع أجندة يدفع بها قادة العالم، وفي مقدّمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد يجد الأخيرون أنفسهم أمام نتنياهو أضعف سياسياً، ونظاماً سياسياً إسرائيلياً غارقاً في أزمة مطوّلة جديدة غير مستبعد أن يكون عنوانها تجدد الحرب على إيران.
وبرز أمس ما كشفته القناة 12 العبرية من أن نتنياهو طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقديم دعم علني إضافي لحملته الانتخابية. ونقلت القناة عن مصدر أميركي مطلع على التفاصيل ومصدر إسرائيلي آخر أن نتنياهو كثف اتصالاته بترامب خلال الأيام الأخيرة سعياً للحصول على تصريحات جديدة تدعم بقاءه في رئاسة الحكومة. وقال المصدر الأميركي إن نتنياهو تحدث مع ترامب مرتين خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، وطلب منه تعزيز التأييد الذي أعلنه له عبر منصة "تروث سوشال". وأضاف أن نتنياهو اقترح بنفسه صياغات لتصريحات دعم إضافية يمكن أن يصدرها الرئيس الأميركي قبل الانتخابات. وبحسب المصدر الأميركي، ينظر مسؤولون في البيت الأبيض إلى محاولات نتنياهو المتكررة للحصول على دعم إضافي باعتبارها "علامة على اليأس"، ومؤشراً إلى أن رئيس حكومة الاحتلال يعتقد أنه متأخر في المنافسة الانتخابية. كما نقلت القناة عن مصدر إسرائيلي أن نتنياهو اقترح أيضاً أن يجري ترامب مكالمات هاتفية مع صحافيين إسرائيليين للتعبير عن دعمه له. في المقابل، نفى حزب الليكود ذلك، مؤكداً أن نتنياهو لم يطلب من ترامب أي دعم، سواء خلال الأيام الأخيرة أو قبل إعلانه الأول تأييد نتنياهو. ورفض مكتب رئيس حكومة الاحتلال التعليق، فيما لم يصدر رد فوري عن البيت الأبيض على طلب القناة التعقيب.
وفي مسألة الحرب، تستقبل إسرائيل انتخاباتها بينما هي في حالة تأهب قصوى على جميع الجبهات، وسط إغلاق شامل تفرضه على الضفة الغربية المحتلة، ومناورة عسكرية بدأتها أربع فرق عسكرية في جيشها، منذ الأمس وتستمر اليوم، حيث تنفذ في وسط البلاد وشمالها، تتدرب فيها هذه الفرق على التعامل مع حرب متعددة الجبهات، والانتقال السريع من حالة الدفاع إلى الهجوم.
وعن هذه الأجواء، رأى محللون إسرائيليون بارزون، أمثال عاموس هرئيل (في صحيفة هآرتس)، وناحوم برنياع (في يديعوت أحرونوت)، أمس الأحد، أنه في حال لم يرجّح ميزان الانتخابات كفة أحد المعسكرين، وبالتالي يبقى نتنياهو رئيساً لحكومة انتقالية، فإنه ينوي فتح حرب إقليمية جديدة، يُشَكك في قدرة الجيش على الحؤول دون وقوعها، خصوصاً خلال فترة التفاوض على التشكيلة الحكومية المقبلة.
وفي هذا الصدد، رأى برنياع أن المعارضة الإسرائيلية الحالية تمتلك خبرات أمنية وعسكرية وسياسية واسعة، بوجود شخصيات مثل أيزنكوت ونفتالي بينت ويئير لبيد وأفيغدور ليبرمان ويئير غولان، في مقابل محدودية الخبرات الأمنية لدى معظم قيادات "الليكود" وحلفاء نتنياهو. واعتبر أن الأمن سيكون القضية الأكثر أهمية في الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وأن الفجوة بين الكابينت المحتمل لنتنياهو ونظيره الذي قد تشكله المعارضة كبيرة، إلا أن انقسام قادة المعارضة وعجزهم عن تقديم قيادة موحدة أضعفا قدرتهم على استثمار هذه الأفضلية، وسمحا لنتنياهو بالاحتفاظ بملف الأمن رغم الإخفاقات التي يحمّلونه مسؤوليتها.
حذّر برنياع من احتمال لجوء حكومة نتنياهو المنتهية ولايتها إلى تصعيد عسكري إقليمي لتأخير انتقال السلطة
وحذّر برنياع من احتمال لجوء حكومة نتنياهو المنتهية ولايتها إلى تصعيد عسكري إقليمي لتأخير انتقال السلطة، بما قد يدفع قادة المعارضة إلى الانضمام إلى حكومة وحدة تحت ضغط حالة الطوارئ. وأشار إلى أن نتنياهو حاول، وفق تحليله، دفع المنطقة نحو مواجهة مع إيران، قبل أن تحول دون ذلك عوامل عدة، بينها ضبط النفس الإيراني ومعارضة الجيش الإسرائيلي وموقف ترامب.
أمّا هرئيل، فاعتبر أن حادثة إطلاق النار في الخليل (يوم الجمعة الماضي) وفّرت لنتنياهو فرصة لتصعيد التوتر الأمني في الضفة الغربية، بعد تعثّر مساعيه لإشعال مواجهة مع إيران عشية الانتخابات. ورأى أن التسريبات الإسرائيلية بشأن خلفيات المنفذين والجهات التي يُشتبه في ارتباطها بالعملية قد تكون جزءاً من تهيئة رواية إعلامية تخدم الحملة الانتخابية، محذراً من أن استغلال المخاوف الأمنية قد يعزز الضغوط على المعارضة ويحدّ من قدرتها على مواجهة نتنياهو. كما أشار إلى أن نتائج الانتخابات، حتى لو رجّحت كفة المعارضة، لن تضمن انتقالاً سلساً للسلطة، في ظل العقبات السياسية واستماتة نتنياهو للتمسك بالحكم.


