الأطباء يغادرون البلاد: ارتفاع حاد في الهجرة خلال الأعوام الأخيرة

زمن برس، فلسطين: تتسع ظاهرة هجرة الأطباء من البلاد، في وقت تتزايد فيه الضغوط المهنية والاجتماعية والأمنية التي تواجه الطواقم الطبية.
وتشير معطيات دراسة أعدتها جامعة تل أبيب إلى أن نحو 1370 طبيبًا وطبيبة غادروا البلاد خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، بزيادة قدرها 94% مقارنة بالفترة ذاتها قبل عقد، حين بلغ عدد المغادرين 705 أطباء وطبيبات.
وتظهر المعطيات أن عدد الأطباء الذين غادروا البلاد بلغ 416 طبيبًا في عام 2023، قبل أن يرتفع إلى 530 في عام 2024، فيما سجل عام 2025 مغادرة 419 طبيبًا.
ولا تقتصر الظاهرة على الأطباء حديثي التخرج، إذ تشمل أطباء من ذوي الخبرة وفي تخصصات متعددة، ما يثير مخاوف بشأن انعكاسات استمرار الهجرة على الجهاز الصحي وقدرته على مواجهة النقص المتزايد في الكوادر الطبية.
وبحسب الدراسة، سجلت تخصصات طب الأطفال والعيون والجلدية والأنف والأذن والحنجرة النسبة الأعلى بين المغادرين، وبلغت 6.2%، تلتها جراحة الأعصاب والجراحة العامة بنسبة 6%، بما يقدر بنحو 188 جراحًا. وجاء أطباء الطوارئ والعناية المركزة بنسبة 4.7%، فيما بلغت النسبة في الطب الباطني 3.9%، أي نحو 215 طبيبًا.
وعلى صعيد التوزيع الجغرافي، تصدرت منطقة تل أبيب القائمة بـ429 طبيبًا غادروا البلاد، بما يعادل 5.4% من الأطباء، تلتها منطقة وسط البلاد بـ290 طبيبًا، ثم منطقة حيفا بـ190 طبيبًا.
ظروف مهنية واجتماعية تدفع إلى الهجرة
وتتداخل عدة عوامل في قرارات الأطباء بمغادرة البلاد، من بينها ظروف العمل والأجور، إلى جانب صعوبة الاندماج المهني بالنسبة إلى بعض الأطباء العرب، فضلًا عن تدهور الوضع الأمني وانتشار الجريمة والحروب والأزمات المتواصلة.
ويقول طبيب الأسنان كرم ملحم، ابن قرية عرعرة في المثلث، والذي يعمل منذ أكثر من أربع سنوات في بريطانيا، إن قرار مغادرته البلاد جاء بعد تجربة مهنية صعبة ومحاولات للبحث عن ظروف عمل أفضل.

كرم ملحم
وقال ملحم لـ"عرب 48": "قررت الانتقال إلى بريطانيا قبل عدة سنوات، بعد أن اجتزت امتحان مزاولة المهنة في البلاد وعملت لفترة في المجال. اتخذت بعد ذلك قرارًا بالبحث عن أماكن عمل أفضل، وفي ظل سياسات التضييق الممنهجة على الطواقم الطبية العربية والحالة التي نعيشها، قررت ترك البلاد".
وأضاف: "عملت لفترة في مجال طب الأسنان في البلاد، وحاولت التأقلم قدر الإمكان، لكن ظروف العمل كانت صعبة، كما أن الأجر الذي كنا نتقاضاه كان زهيدًا جدًا مقارنة بأكثر من ست سنوات من التعليم في الخارج. إلى جانب ذلك، واجهت رفضًا متكررًا عند التقدم للعمل. وبعد كل المحاولات للبقاء في الوطن وبالقرب من عائلتي، أُجبرت على البحث عن فرصة عمل في مكان آخر، ووجدت ذلك في بريطانيا".
ويرى ملحم أن الظروف الاجتماعية والأمنية لعبت دورًا أساسيًا في قراره، موضحًا أن "الجريمة المنظمة وتفشيها في المجتمع، وسط تقاعس المؤسسة الرسمية عن مكافحتها وغياب الأمان، جعلتني أتخذ هذا القرار الصعب بترك عائلتي وبلدي والعيش في الخارج".
وأضاف: "صحيح أن ظروف العمل لم تكن بأفضل حال، وحاولت التأقلم معها، إلا أن تفشي الجريمة كان الدافع الأكبر لترك البلاد والبحث عن بيئة أخرى أستطيع العمل فيها والتقدم في المجال الذي أعشقه".
وأشار إلى أن ظاهرة هجرة الأطباء العرب باتت أكثر وضوحًا مقارنة بالسنوات السابقة، وقال: "عندما غادرت البلاد قبل عدة سنوات، كنت الوحيد من بين زملائي الذين تخرجوا معي في المجال نفسه. أما اليوم، ففي المنطقة التي أقيم فيها، هناك مجموعة من الأطباء العرب من الداخل يعيشون ويعملون في المجال".
وأشار إلى أن "الغالبية تجمع على أن السبب يعود إلى سياسة التضييق على الطواقم العربية وعدم إتاحة المجال أمامها للعمل، إلى جانب الأجواء العامة المتمثلة في الحروب والأزمات المستمرة وظروف العمل الصعبة".
ويؤكد ملحم أن قرار الهجرة لم يكن سهلًا، قائلًا: "خيار ترك العائلة والوطن والعيش في الغربة ليس سهلًا أبدًا، ولست أقول إن الغربة هي الخيار الأفضل، ولكن على الأقل توجد هنا آفاق للتقدم وظروف عمل أفضل، إلى جانب أجور تعطي الطبيب حقه، على عكس منظومة الصحة الإسرائيلية التي تتعامل بسوء، تحديدًا مع الأطباء الجدد".
دراوشة: هجرة الأطباء "مقلقة للغاية"
من جهته، يرى الطبيب عزيز دراوشة، اختصاصي طب القلب والأمراض الباطنية والطوارئ، الذي عمل مديرًا لأقسام الطوارئ في مستشفيات "رمبام" و"هداسا عين كارم" و"هعيمك"، ويشغل منذ عدة سنوات رئاسة لجنة امتحانات الترخيص وفترة التدريب في الطب، أن ظاهرة هجرة الأطباء تستدعي القلق، لكنها تأتي في ظل ظروف تدفع إلى البحث عن فرص خارج البلاد.

عزيز دراوشة
وقال دراوشة لـ"عرب 48": "هجرة الأطباء أمر مقلق للغاية، لكنه متوقع في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسوء الأمن المجتمعي. ففي الوقت الذي يفكر فيه الجميع بالهجرة، يظل تنفيذها أسهل بالنسبة إلى الطبيب، بسبب توفر أماكن العمل في مختلف أنحاء العالم".
وأوضح أن استمرار هذه الظاهرة "سلبي جدًا على المستوى القطري، ويؤدي إلى إضعاف المنظومة الصحية في البلاد بشكل عام، رغم أنها تعتبر من أفضل المنظومات الصحية في العالم".
وأضاف: "ما يحصل من هجرة متتالية من البلاد وارتفاع عدد الأطباء الذين يتركونها سيؤدي إلى إضعاف المنظومة التي تعاني أصلًا من شح في الميزانيات، وهذا يزيد الوضع سوءًا".
"التفكير بالهجرة يتحول إلى واقع"
وتطرق دراوشة إلى نتائج الدراسات الأخيرة المتعلقة بظاهرة الهجرة، وقال إن "الدراسات أظهرت مؤشرات مقلقة تتعلق بالأطباء المتخصصين والمتدربين الجدد، إذ إن غالبية العاملين في القطاع الصحي فكروا في الهجرة".
وأضاف: "مع مرور الوقت، تحول هذا التفكير تدريجيًا إلى واقع ملموس على الأرض من خلال الهجرة، وهذا يهدد سلامة المنظومة الصحية في البلاد".
وحول تداعيات الأزمة، قال إن "نسبة الأطباء بالنسبة إلى كل ألف مواطن أصبحت من بين الأدنى في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، كما أن المستشفيات الحالية تعاني من نقص يقدر بآلاف الأسرة، إلى جانب عجز حاد في الأطباء والطواقم الطبية والممرضين وفنيي الأشعة وغيرهم".
وأشار إلى أن هذه المعطيات "تضر بالمنظومة الصحية في الوقت الراهن، وتتضاعف آثارها سلبًا خلال السنوات القليلة المقبلة".
آلاف الأطباء ينتظرون فرص التخصص والعمل
وحول أوضاع الأطباء الذين ينتظرون فرصًا وظيفية أو أماكن للتخصص، قال دراوشة إن "العديد من الأطباء في مرحلة التخصص يفكرون أيضًا بالهجرة، في حين ينتظر آلاف الأطباء العرب دورهم للبدء بالتخصص أو العمل".
وأرجع ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها "شح الميزانيات والنقص الحاد في أسرة التدريب في المستشفيات، ما يحتم زيادة الطواقم الطبية وزيادة الوظائف، وهو ما يرتبط بتوفر الكوادر والميزانيات اللازمة".
ويرى أن ذلك "يرتبط بالسياسات المتبعة تجاه القطاع الصحي وتفضيل الحكومة لقطاعات أخرى".
الانقسام المجتمعي والتحريض
وفي ما يتعلق بتأثير الأوضاع السياسية والاجتماعية، قال دراوشة إن "الظروف العامة وسياسات التضييق المتبعة في السنوات الأخيرة ضد الطواقم الطبية، إلى جانب اتساع الشرخ المجتمعي بين المتدينين والعلمانيين، وبين العرب واليهود والأقليات، شكلت دافعًا محوريًا للهجرة، وتحديدًا بين صفوف الطواقم الطبية العربية".
وبخصوص حملات التحريض ضد الطواقم الطبية العربية، قال إن تأثيرها "سلبي بلا شك"، لكنه أضاف أنها تشكل، في المقابل، حافزًا لبعض الطواقم "لإثبات تميزها وتفانيها واستحقاقها".
وأكد أن "التجربة المهنية للطواقم العربية أثبتت جدارتها، وتستحق أن تُدرس وأن تتاح لها الفرص في تخصصات ومجالات عمل أخرى في البلاد".
وتابع أن "ما تتعرض له الطواقم الطبية العربية ليس وليد اللحظة، بل يمتد لسنوات، وتصاعد مؤخرًا بفعل التيارات المتطرفة"، معتبرًا أن ذلك يزيد الضغوط على هذه الطواقم.
واختتم دراوشة حديثه بالقول إن "مزاعم بعض وسائل الإعلام بوجود تمييز لصالح الطواقم العربية هي تضليل وتحريض، وتفوقهم هو نتيجة تميزهم واجتهادهم وتفانيهم في العمل".


