مجلس الاحتياطي الفيدرالي يرفع الفائدة الأميركية متحدياً ترامب لكبح التضخم المتصاعد.. ماذا عن الخليج؟

زمن برس، فلسطين: رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس، إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، في أول زيادة منذ يوليو/تموز 2023، متحدياً توجهات البيت الأبيض، ومؤكداً أن الخطوة تستهدف كبح التضخم وتسريع عودته إلى المستوى المستهدف البالغ 2%. غير أن البيت الأبيض ما لبث أن انتقد القرار الذي نعته بأنه "مؤسف" على الرغم من دعوات متكرّرة أطلقها الرئيس دونالد ترامب لخفض الفائدة. وقال المتحدث باسم الرئاسة الأميركية كوش ديساي لشبكة فوكس نيوز: "إن القرار المؤسف الذي اتّخذه الاحتياطي الفيدرالي اليوم برفع معدلات الفائدة، لم يكن من وجهة نظر الإدارة، مدعوما بمسوغات اقتصادية مقنعة على نحو خاص".
وعلى صعيد دول الخليج، أعقب القرار الأميركي تحرك مماثل من بعض المصارف المركزية، إذ ما لبث ان أعلن مصرف قطر المركزي رفع سعر فائدة الإيداع وسعر فائدة الإقراض وسعر إعادة الشراء 25 نقطة أساس. كما أعلن مصرف البحرين المركزي رفع سعر الفائدة على ودائع الليلة الواحدة 25 نقطة أساس، من 4.25% إلى 4.50%، اعتباراً من 17 سبتمبر/أيلول 2026. كذلك رفع البنك المركزي العماني سعر الفائدة على عمليات إعادة الشراء مع المصارف المحلية 25 نقطة أساس، ليصل إلى 4.5% اعتباراً من الخميس.
وجاء القرار، الذي أُقر بالإجماع، في وقت تتزايد فيه الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتعطل الإمدادات، على خلفية تداعيات الحرب مع إيران. وقال الفيدرالي في بيانه إن "الخطوة ستدعم عودة التضخم إلى هدف اللجنة البالغ 2% في وقت أقرب"، مشيراً في المقابل إلى أن نمو الإنتاجية قوي والاستثمار الرأسمالي متين، بينما حافظت مكاسب الوظائف على وتيرتها مقارنة بنمو قوة العمل، ولم يطرأ تغير كبير على معدل البطالة.
وأظهرت توقعات أعضاء البنك المركزي أن متوسط سعر الفائدة المتوقع في نهاية عام 2026 ارتفع إلى 4.1%، مقارنة بـ3.8% في توقعات يونيو/حزيران، في إشارة إلى اتساع التأييد لمزيد من الزيادات. وتوقع 16 مسؤولاً على الأقل زيادة إضافية واحدة خلال العام، مقابل ستة مسؤولين في يونيو كانوا يرون إمكانية إجراء زيادتين إجمالاً خلال 2026. أما التوقع الوسطي لعام 2027، فأشار إلى عدم وجود زيادات إضافية، رغم أن ثمانية مسؤولين فضلوا رفع الفائدة ربع نقطة أخرى بحلول نهاية ذلك العام.
ويكشف القرار عن أولوية واضحة يمنحها الفيدرالي لمواجهة التضخم، حتى على حساب الضغوط السياسية. فقد جاء الرفع خلافاً لمطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي دعا مراراً إلى خفض تكاليف الاقتراض وهدد بتصعيد حروبه التجارية إذا لم يخفض البنك المركزي الفائدة. ويواجه رئيس الفيدرالي كيفن وارش بذلك اختباراً لعلاقته بالبيت الأبيض، خصوصاً بعدما حذر الشهر الماضي من أن التضخم لا يتراجع بصورة ملموسة.
وتعززت مبررات التشديد النقدي بعد صدور بيانات أظهرت ارتفاع التضخم الأساسي في أغسطس/آب بوتيرة تجاوزت التوقعات، ما أثار مخاوف من أن الضغوط السعرية لم تعد مرتبطة فقط بالرسوم الجمركية أو الارتفاع المؤقت في أسعار الطاقة. كما أرجأ الفيدرالي عاماً إضافياً توقعاته لعودة التضخم إلى 2%، مرجحاً بلوغه هذا المستوى في عام 2029.
وقد أوردت بلومبيرغ أبرز الخلاصات من قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة، الصادر الأربعاء، وفيه:
- صوّتت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بالإجماع على رفع سعر الفائدة الأساسي إلى نطاق مستهدف بين 3.75% و4.00%.
- أظهر "مخطط النقاط" لتوقعات أسعار الفائدة أن 16 مسؤولاً من أصل 18 يتوقعون رفع الفائدة مرة واحدة على الأقل إضافية بحلول نهاية عام 2026، فيما توقع أربعة منهم زيادتين إضافيتين. وارتفع متوسط التوقعات إلى 4.1%، مقارنة بـ3.75% في يونيو/حزيران. ورأى المسؤولون في المتوسط أن الفائدة ستبقى عند 4.1% في عام 2027، في حين توقع ثمانية منهم بلوغها 4.4%.
- قال الفيدرالي إن إجراء السياسة النقدية المتخذ الأربعاء "سيدعم عودة أسرع وفي الوقت المناسب إلى هدف اللجنة البالغ 2%" للتضخم.
- يتوقع متوسط مسؤولي الفيدرالي بلوغ التضخم الأساسي 3.4% بنهاية عام 2026، بزيادة طفيفة عن توقعات يونيو البالغة 3.3%. كما يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.3%، مقارنة بـ2.2% في التوقعات السابقة.
- قال الفيدرالي: "على الرغم من بقاء حالة عدم اليقين مرتفعة، ويرجع ذلك جزئياً إلى التطورات الجيوسياسية، فإن الإنفاق المحلي ظل صامداً"، مكرراً أن "نمو الإنتاجية قوي، والاستثمار الرأسمالي متين".
- كرر الفيدرالي أن مكاسب الوظائف "واكبت نمو القوة العاملة، وأن معدل البطالة لم يطرأ عليه تغير يذكر".
سندات الخزانة الأميركية تحافظ على مكاسبها
هذا وحافظت سندات الخزانة الأميركية، في معظمها، على مكاسبها بعدما رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ عام 2023، وتوقع اتخاذ مزيد من الإجراءات لكبح التضخم. واستقر عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، الأربعاء، منخفضاً 5 نقاط أساس عند 4.95%، بعدما صوّت صانعو السياسة النقدية على رفع سعر الفائدة الأساسي ربع نقطة مئوية. وكان رفع الفائدة متوقعاً على نطاق واسع، فيما استمدت الأسواق إشارتها الأساسية من التوقعات الفصلية الجديدة، التي أظهرت تنامي الدعم داخل الفيدرالي لمزيد من الزيادات.
وجاءت هذه المستويات القياسية ضمن موجة ارتفاع عالمية في عوائد السندات بدأت منذ شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران في أواخر فبراير/شباط، ما أدى إلى اضطراب إمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط. وتضاف إلى ذلك عوامل أخرى، مثل الاقتراض الهائل للشركات لتمويل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يغرق الأسواق بمزيد من الديون ويضخ حوافز في اقتصاد أميركي لا يزال متماسكاً.
الأسواق على وقع قرار الفائدة
وقد استقرت الأسهم الأميركية في تعاملات ظهيرة الأربعاء، بالتوقيت المحلي، بعد قرار رفع سعر الفائدة الرئيسية للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، في إطار جهود كبح التضخم. كما ساهم تراجع أسعار النفط وضغوط سوق السندات في دعم حركة بورصة وول ستريت. وارتفع مؤشر ستاندرد أند بورز 500، الأوسع نطاقاً للأسهم الأميركية، بنسبة 0.3%، متجهاً إلى تسجيل ثاني ارتفاع يومي له خلال آخر ثماني جلسات. وتراجع مؤشر داو جونز الصناعي 13 نقطة، أي بأقل من 0.1%، بحلول الساعة الثانية و25 دقيقة ظهراً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، فيما ارتفع مؤشر ناسداك بنسبة 0.7%.
أما الذهب، قبل القرار، فكان قد ارتفع 0.7% إلى 4324.36 دولاراً للأوقية، مدعوماً بتراجع الدولار وانخفاض عوائد السندات وأسعار النفط. غير أن ارتفاع الفائدة يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائداً، ما يجعل مساره المقبل مرتبطاً بدرجة كبيرة بلهجة الفيدرالي بشأن الزيادات المقبلة. ومن المقرر أن يعقد وارش مؤتمراً صحافياً عقب القرار، وسط ترقب لما إذا كان البنك سيمهد لتشديد إضافي أم يترك الباب مفتوحاً أمام تغيير المسار لاحقاً.


