نتنياهو وترامب: كيف تختبر إسرائيل حدود "الخطوط الحمراء" الأميركية؟

نتنياهو وترامب: كيف تختبر إسرائيل حدود "الخطوط الحمراء" الأميركية؟

زمن برس، فلسطين:  تعمل إسرائيل على اختبار حدود الضغوط التي تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تحركاتها العسكرية في المنطقة، عبر تجنب الصدام المباشر مع واشنطن والبحث، في المقابل، عن هوامش تسمح لها بمواصلة الهجمات أو توسيعها تحت عناوين مثل "الدفاع عن النفس" و"التهديد الفوري المتشكل"، فيما يتراجع رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عندما تتحول المطالب الأميركية إلى موقف حازم ومباشر.

وبحسب تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن "الخطوط الحمراء" التي تضعها واشنطن أمام إسرائيل لا تعمل باعتبارها حظرًا ثابتًا، بل مجموعة "تفاهمات" تختلف بين غزة ولبنان وسورية وإيران واليمن، وتسعى إسرائيل إلى معرفة الحدود التي يمكن دفعها من دون الوصول إلى مواجهة مع إدارة ترامب.

وينطلق التقرير من أن العلاقة بين الجانبين لا تعكس تجاهلًا إسرائيليًا للولايات المتحدة ولا خضوعًا كاملًا لها، بل نمطًا يقوم على "قراءة ما بين السطور" والتمييز بين الحالات التي تكون فيها المعارضة الأميركية قابلة للمناورة وتلك التي تتحول فيها إلى مطلب لا يترك لنتنياهو مجالًا واسعًا للتحرك.

ويرى التقرير أن نتنياهو استفاد سياسيًا من هذا الهامش، إذ يمكنه أن يظهر أمام الجمهور الإسرائيلي بمظهر من "يقف في وجه الولايات المتحدة" في القضايا الأمنية و"القادر على التأثير في قرارا ترامب"، بينما يتراجع في الحالات التي تصر فيها واشنطن على موقفها بصورة لا تحتمل التأويل.

 

ويستشهد التقرير في هذا السياق بإلغاء موجة غارات إسرائيلية في يوم وقف إطلاق النار مع إيران في حزيران/ يونيو 2025، وكذلك بوقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، باعتبارهما مثالين على تراجع إسرائيلي عندما مارست واشنطن ضغطًا مباشرًا.

غزة: السماح بالعمل العسكري مع محاولة ضبطه

وفي قطاع غزة، يعتبر التقرير أن المطلب الأميركي الأساسي يتمثل في منع تعطيل المساعدات الإنسانية، إلى جانب الحد من حجم العمليات العسكرية ووتيرة الاغتيالات.

وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي شدد خلال الفترة الأخيرة آليات المصادقة على الهجمات، بحيث باتت بعض العمليات تتطلب موافقة مستويات قيادية عليا، وصولًا في حالات معينة إلى رئيس الأركان، تحت ضغط أميركي على المستوى السياسي.

ويربط التقرير ذلك بخشية واشنطن من أن تؤدي عمليات إسرائيلية واسعة أو متكررة إلى تقويض خريطة الطريق التي طرحها "مجلس السلام" للانتقال إلى المرحلة التالية في قطاع غزة.

وكان جاريد كوشنر قد أبلغ نتنياهو، خلال اجتماعهما الأخير، أن الولايات المتحدة لن تحدد لإسرائيل "كيفية الدفاع عن نفسها"، غير أن التقرير يقرأ هذه العبارة باعتبارها سماحًا مشروطًا بالتحرك مع مطالبة إسرائيل، في الوقت نفسه، بضبط حجم ردودها.

 

ويشير إلى أن الإدارة الحالية تمنح إسرائيل هامشًا أوسع مما كان متاحًا خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن، بسبب ما يصفه بفهم أكبر في إدارة ترامب للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك غياب الانتقادات أو الضغوط الأميركية.

ويبرز التقرير في هذا السياق استخدام تعبير "التهديد المتشكل"، معتبرًا أنه بات مصطلحًا مرنًا يسمح لإسرائيل بتقديم عمليات عسكرية على أنها رد على خطر وشيك، لا مبادرة هجومية تتعارض مع التفاهمات مع واشنطن.

لبنان: "لا تقتربوا من بيروت"

وفي لبنان، يرى التقرير أن القاعدة الأميركية الأكثر وضوحًا هي تجنب توسيع الهجمات إلى بيروت، وأن إسرائيل تلتزم بذلك إلى حد بعيد رغم استمرار عملياتها العسكرية في مناطق أخرى.

ويشير إلى منطقة علي الطاهر في جنوب لبنان، حيث تقول إسرائيل إن حزب الله يواصل نشاطه، فيما لم تتحرك القوات الإسرائيلية حتى الآن للسيطرة عليها بالكامل، رغم امتلاكها القدرة العسكرية على ذلك، وفق التقرير.

ويضيف أن تقارير إسرائيلية تحدثت مؤخرًا عن انتظار "ضوء أخضر" أميركي قبل تنفيذ تحرك أوسع في المنطقة، ما يعكس، بحسب التقرير، استمرار الدور الأميركي في تحديد سقف التحرك الإسرائيلي في لبنان.

ويربط التقرير بين ذلك وبين الهجوم الأخير بطائرة مسيّرة مفخخة استهدف القوات الإسرائيلية في المنطقة وأصاب ثلاثة جنود بجراح خطيرة، وما أعقبه من غارات إسرائيلية أوقعت أكثر من عشرة شهداء في لبنان بينهم نساء وأطفال.

ويشير إلى أن نتنياهو سارع، خلال تلك الأحداث، إلى إصدار بيان باللغة الإنجليزية يتهم فيه حزب الله بخرق وقف إطلاق النار، في خطوة يقرأها التقرير باعتبارها محاولة لتوفير غطاء سياسي ودبلوماسي مسبق للرد العسكري أمام الإدارة الأميركية.

وبحسب هذا التحليل، فإن إسرائيل تتعامل مع أي خرق تنسبه إلى حزب الله باعتباره فرصة للحصول على مساحة أوسع للتحرك، بما في ذلك استهداف قياديين في الحزب، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القيود الأميركية.

سورية: صدام المصالح التركية والإسرائيلية

أما في سورية، فيرى التقرير أن الخلاف أكثر تعقيدًا بسبب العلاقة الوثيقة التي يسعى ترامب إلى بنائها مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بالتوازي مع محاولات واشنطن تعزيز علاقتها بالسلطات السورية برئاسة أحمد الشرع.

ويشير إلى أن الإدارة الأميركية أوقفت، وفق تقارير سابقة، أكثر من خطة إسرائيلية لتنفيذ هجمات واسعة في سورية، في ظل مخاوف إسرائيلية من تعاظم قدرات الجيش السوري ومن محاولات تركية لبناء بنية عسكرية متطورة لصالح دمشق.

وفي المقابل، تسعى إدارة ترامب، بحسب التقرير، إلى توسيع نفوذها في سورية وإبقاء العلاقة مع أنقرة مستقرة، ما يضع حدودًا أمام الرغبة الإسرائيلية في ضرب مواقع ترى أن تركيا تحاول تعزيز وجودها العسكري فيها.

وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى الغارات الأخيرة على مطار أبو الظهور، وإلى الإدانة الصريحة التي أصدرها المبعوث الأميركي إلى سورية والسفير لدى تركيا، توم براك، الذي وصف الهجوم بأنه أدى إلى "تصعيد غير ضروري".

وفي المقابل، نقل مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل شاركت واشنطن، قبل الهجوم، "معلومات استخبارية سرية" على مستويات رفيعة، وهو ما يستخدمه التقرير للدلالة على أن وجود اعتراض أميركي سياسي لا يعني بالضرورة أن الجيش الإسرائيلي تحرك من دون تنسيق عسكري مسبق.

ويشدد التقرير هنا على ضرورة التمييز بين التنسيق القائم بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، وبين التنسيق السياسي بين مكتب نتنياهو والبيت الأبيض.

وبحسب التقرير، يُطلع الجيش الإسرائيلي "سنتكوم" على عملياته، لكن ليس كل اغتيال أو هجوم يُبحث مسبقًا على المستوى السياسي، ما قد يخلق أحيانًا انطباعًا بأن إسرائيل تتحرك من وراء ظهر الإدارة الأميركية، بينما لا يكون ذلك صحيحًا بالضرورة.

إيران: الخط الأكثر وضوحًا

ويصف التقرير الساحة الإيرانية بأنها الحالة التي يكون فيها الخط الأميركي أكثر وضوحًا، إذ لا تستطيع إسرائيل، وفق التحليل، المبادرة إلى هجوم واسع بصورة مستقلة عندما تعارض واشنطن ذلك.

ويشير إلى أن ترامب سبق أن أوقف تحركات عسكرية إسرائيلية ضد إيران، سواء عند وقف إطلاق النار في نهاية المواجهة عام 2025 أو خلال المواجهة المباشرة في حزيران/ يونيو 2026، بعد وقف إطلاق النار في الحرب المشتركة على إيران؛ معتبرا أن القرار الأميركي بشأن إيران أكثر مباشرة وحسمًا.

اليمن: ضبط النفس بظل واشنطن

ويمتد النمط نفسه، وفق التقرير، إلى اليمن، إذ لم تنفذ إسرائيل في الفترة الأخيرة هجمات واسعة ضد الحوثيين رغم استمرار التهديدات وعمليات إطلاق المقذوفات باتجاهها.

ويرجح التقرير أن يكون للولايات المتحدة دور في "ضبط النفس" الإسرائيلي، خصوصًا أن جولات سابقة من الضربات ضد الحوثيين نُفذت بالتنسيق مع واشنطن.

مناورة داخل القيود لا تحدٍ كامل لها

ويخلص التقرير إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع القيود الأميركية باعتبارها قواعد ثابتة، بل تحاول في كل جبهة تحديد المسافة التي يمكن أن تتحرك داخلها من دون أن تتحول الخلافات إلى أزمة مباشرة مع ترامب.

وعندما يظهر "خرق من حزب الله" أو ما تصفه إسرائيل بأنه "تهديد متشكل" في غزة، يجري التعامل معه باعتباره مبررًا لتوسيع مساحة العمل العسكري، من دون إعلان تجاوز التفاهمات الأميركية صراحة.

وتلعب الاعتبارات السياسية الداخلية دورًا إضافيًا في هذه المعادلة، إذ تدرك الحكومة الإسرائيلية أن خصومها يعتبرون أن الولايات المتحدة "تكبل يديها"، ولذلك تحاول أحيانًا إظهار استقلالية عسكرية حتى لو أدى ذلك إلى توتر محدود مع واشنطن.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، يطرح التقرير احتمال أن يحاول نتنياهو اختبار هذه الحدود بصورة أكبر لتحقيق مكاسب سياسية أمام ناخبيه، من دون الوصول إلى مواجهة حقيقية مع ترامب.