مفاوضات الـ30 يوماً: خفايا الحوار بين طهران وواشنطن واحتمالات التصعيد

زمن برس، فلسطين: تخيّم حالة من الضبابية على المشهد بين طهران وواشنطن، حيث تتأرجح المنطقة بين احتمالين متناقضين، إما الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة، أو التوصل إلى تسوية سياسية توقف نزيف التصعيد. وأفرز هذا الغموض واقعاً معقداً، ورغم أنه لا تتوفر معلومات تفصيلية عن طبيعة المقترحات المطروحة على طاولة التفاوض، غير أن خبراء إيرانيين مقربين إلى الفريق المفاوض، كشفوا في حديث مع "العربي الجديد"، عن بعض تفاصيل ما جرى أخيراً في المفاوضات من تبادل مقترحات بين الطرفين.
في قلب هذا المشهد المعقّد، يبرز السلوك السياسي "غير المتوقع" للرئيس الأميركي دونالد ترامب، عامل تعقيد إضافياً، إذ يعتمد سياسة التناقضات المدروسة التي تُبقي جميع الخيارات مفتوحة.
خفايا أحدث المقترحات بين الطرفين
يقول الخبير الإيراني هادي محمدي، في حوار مع "العربي الجديد"، إنه وفقاً لمعلومات مستقاة من مصادر مقرّبة من الفريق المفاوض، فقد تبلورت توافقات مبدئية بين طهران وواشنطن، مشيراً إلى تراجع حدة الخلافات السابقة إلى حد ما. ويضيف محمدي أن الطرفين اتفقا على تخصيص فترة 30 يوماً للتفاوض بشأن القضايا الخلافية العالقة، موضحاً أن الجانب الأميركي أبدى قبولاً بقضايا مثل وقف إطلاق النار في مختلف الجبهات.
ويتابع الخبير الإيراني قائلاً إن قضية التعويضات التي طالبت بها طهران قد طُرحت على طاولة النقاش، في إطار "صندوق لإعادة الإعمار والتنمية"، مرجحاً التوصل إلى توافقات بشأنها. إلا أنه أوضح أن الخلاف لا يزال مستمراً حول ملف الأموال المجمدة، وتحديداً في ما يخص حجم الأموال المقرر الإفراج عنها، والجدول الزمني المخصص لذلك. ويلفت في الوقت ذاته إلى غياب الخلافات العميقة حول مسألة الإعفاء من بعض العقوبات، ولا سيما العقوبات المفروضة على قطاع النفط الإيراني.
وفي ما يخص الملف النووي، يقول محمدي إن الطرفين أظهرا مرونة ملحوظة، إذ وافقت إيران على إدراج مسألة المواد المخصبة بنسبة 60% ضمن المباحثات، لتحديد مصيرها خلال مهلة 30 يوماً التفاوضية. ويضيف أن الجانب الأميركي، في المقابل، تراجع خطوة عن موقفه المتصلب الذي كان يشترط حصراً إخراج هذه المواد وتسليمها للولايات المتحدة. في المقابل، يؤكد الخبير الإيراني أنه رغم مرونة أبداها الطرفان خلال الأيام الماضية، لكن الفجوة ما زالت واسعة، والخلافات بين مطالب الطرفين عميقة، مضيفاً أنه لا يعلق آمالاً كبيرة على نجاح المفاوضات. ورغم تأكيده أنه "لا يأس في عالم السياسة"، إلا أنه يعتبر الحديث عن فرص عالية للاتفاق أمراً يفتقر إلى الدقة في المرحلة الحالية.
ويخلص الخبير الإيراني إلى القول إن احتمالات العودة إلى مربع الصراع تفوق بكثير فرص التسوية، منوهاً بأن التغريدات والتصريحات الإعلامية الأميركية تتسم بتناقض حاد، يجعل من الصعب التعويل عليها مساراً سياسياً ثابتاً. ويشير محمدي إلى مهلة تتراوح بين يومين إلى ثلاثة أيام، إذ قال ترامب إن قادة كل من السعودية والإمارات وقطر طلبوا منه تأجيل استئناف المواجهة، داعياً إلى الترقب خلال الأيام المقبلة لتقييم ما إذا كانت المعطيات المسموعة عن المفاوضات تعكس توافقاً نسبياً، أم أنها تكتيك أميركي مضلل يهدف إلى مباغتة إيران في مواجهة جديدة.
وعن مستقبل المفاوضات، يوضح الخبير الإيراني، علي قلهكي، من جانبه، في حديث مع "العربي الجديد"، أن نقاط الالتقاء بين طهران وفريق ترامب على مدى العام الأخير كانت محدودة جداً، وأن إمكانية التوصل إلى اتفاق حالياً "ضعيفة" ما لم يتراجع الطرفان عن بعض خطوطهما الحمراء. ويذكر أن آخر مقترح أميركي كان يدعو إلى توقيع شامل على جميع محاور الاتفاق دفعة واحدة، وهو ما رفضته طهران، التي فضّلت أولاً إنهاء الحرب، وبيع النفط الإيراني لمدة 30 يوماً، ورفع الحصار البحري عن إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز، على أن تُبحث المواضيع النووية بعد مرحلة من التحقق من تنفيذ واشنطن التزاماتها.
وبحسب قلهكي، يصرّ المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، على الحفاظ على حق التخصيب داخل البلاد، وبقاء 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% داخل إيران وعدم نقله إلى دولة ثالثة، مع إمكان تخفيف درجة تخصيبه داخل البلاد فقط، مقابل خطوات "مؤثرة" من الجانب الأميركي، مشيراً إلى أن مواقفه في الملف النووي "أشد صرامة" مقارنة بالقيادة السابقة، وأن مواقف طهران وواشنطن ما زالت متباعدة، ما لم يُبدِ الطرفان مرونة جدية.
تأجيل الحرب.. فرصة أم تكتيك؟
وفي السياق، زادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تعقيدات الوضع، فبينما يلوّح في الصباح بضربات عسكرية وشيكة ويرسم "خطوطاً حمراء" لا تقبل التجاوز، يعود في المساء ليعلن عن إرجاء الخطوات التصعيدية، فقد قال ترامب، أمس الاثنين، في منشور على "تروث سوشال"، إنّه أرجأ هجوماً على إيران كان مقرراً شنّه اليوم الثلاثاء، وذلك بعد طلب القادة الخليجيين. غير أنه أكد في الوقت ذاته أنه أصدر تعليمات لوزير الحرب بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دانيال كين، باستعداد الجيش الأميركي لشن "هجوم شامل وواسع النطاق" على إيران في أي لحظة، في حال عدم التوصل إلى اتفاق. وفي تصريحات لاحقة، رحّب بـ"تطوّر إيجابي للغاية" في المحادثات مع إيران، قال إنه أقنعه بإرجاء هجوم عسكري مخطّط له.
وركز الإعلام الإيراني المحافظ خلال الساعات الماضية على التصريحات الجديدة للرئيس الأميركي حول تأجيل استئناف الحرب، بوصفها "تراجعاً جديداً" أمام إيران، فيما حذرت أوساط إعلامية محافظة وإصلاحية من "خدعة" أميركية جديدة، باعتبار هذه التصريحات تكتيكاً وليس فرصة يمنحها ترامب للتوصل إلى اتفاق.
وفي السياق، يشير قلهكي إلى أنه حتى لو افترض انسحاب أميركا، فلا يوجد ما يضمن ألا تقدم إسرائيل في أي لحظة على "عملية اغتيال كبرى". ويضيف أن ترامب "كان عازماً بشكل قاطع" على شن هجوم عسكري على إيران مساء السبت الماضي، لكن طهران تلقّت صباحاً تحذيراً من "أصدقاء في المنطقة" يُرجَّح أنهم في قطر، موضحاً أن تأجيل الهجوم يرتبط بعدم تيقن واشنطن وتل أبيب من تحقيق أهداف الحرب، سواء لناحية إصابة البنية التحتية في المنطقة بأكملها، في حال استهداف إيران، أو لناحية صعوبة اغتيال القيادات السياسية والعسكرية الأساسية في الجمهورية الإسلامية. ويشير إلى أن "نقطة بدء المواجهة" ما زالت موضع نقاش بين أميركا وإسرائيل.
وبرأي قلهكي، فإن حالة "التعليق وعدم اليقين" الحالية تلحق الضرر أولاً بإيران ودول المنطقة، لافتاً إلى أن الحصار الاقتصادي الأميركي، رغم إمكانيات التحايل عليه، يواصل إيقاع الأذى بالاقتصاد الإيراني وبالدول المتأثرة بالصراع. ويضيف أن على إيران أن تخرج سريعاً من هذه الحالة، مرجحاً أن تسعى أميركا لإبقاء الوضع معلّقاً حتى نهائيات كأس العالم، على أن تستأنف الهجمات بعدها إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق.
في المقابل، يؤكد المحلل الإيراني، أحمد زيد آبادي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن استئناف الحرب ضد إيران سيقود إلى "كارثة تاريخية" تشمل منطقة الخليج بضفتيها الإيرانية والعربية. ويقول إنه إن صحّت رواية ترامب بشأن عزمه استئناف الحرب قبل أن يطلب قادة دول الخليج تأجيلها، فإن ذلك يثير شكوكاً جدية حول الحد الأدنى من العقلانية لديه، متسائلاً ما إذا كان يدرك أصلاً عواقب اندلاع حرب جديدة على البنى التحتية للطاقة والموارد الحيوية في المنطقة.
ويشير زيد آبادي إلى أن ردات فعل المسؤولين الإيرانيين على تهديدات ترامب، توحي بأنهم لا يتعاملون معها باعتبارها مجرد "ثرثرة"، لكنه ينتقد في الوقت نفسه ما وصفها أحياناً بحالة من اللامبالاة إزاء احتمال تجدد الحرب، والاكتفاء بالحديث عن "رد شديد وقوي". ويعتبر أن التهديد بالرد قد يكون مناسباً للردع، لكنه قد لا يكون كافياً إذا كان الطرف الآخر "شخصاً نرجسياً ومتهوراً" مثل ترامب.
كما ينتقد زيد آبادي وجود نزعات، وصفها بأنها "كارثية" داخل أوساط إيرانية، سواء لدى من يراهنون على توجيه ضربة قاصمة للولايات المتحدة مهما كانت كلفة ذلك على إيران، أو لدى من يتمنون إسقاط النظام من المعارضة، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير البلاد.





