شارع 45 الاستيطاني: الطريق الذي سيخنق رام الله

زمن برس، فلسطين: لم يكن "الاحتفال" ببدء شق "شارع 45" الاستيطاني، اليوم مجرد تدشين تقني لمشروع بنية تحتية عابر؛ بل كان إعلانًا سياسيًا مدويًا بلغة الجسور والأنفاق. هذا المشروع، الذي يتجاوز في جوهره كونه طريقًا للمواصلات، يمثل "حجر زاوية" في استراتيجية إسرائيلية كبرى تهدف إلى إعادة صياغة الجغرافيا الفلسطينية، وعزل مدينة رام الله عن القدس وجنوب الضفة الغربية بأسوار من الإسفلت، محولًا المستوطنات من بؤر معزولة إلى ضواحي سكنية ملتحمة عضويًا بالعمق الإسرائيلي.
يُظهر شارع 45 أن المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية قد انتقلت من مرحلة "التوسع العمراني" البسيط إلى مرحلة "الهندسة الاستراتيجية" الشاملة.
لقد عكس مشهد الافتتاح، الذي تصدّره أقطاب اليمين القومي المتطرف في حكومة الاحتلال الإسرائيلي ثقل الأهمية التي توليها "تل أبيب" لهذا المسار. فحضور وزير المالية والوزير المسؤول عن الاستيطان في وزارة الجيش، بتسلئيل سموتريتش، ووزيرة المواصلات ميري ريغيف، جنبًا إلى جنب مع يسرايئل غانتس، رئيس مجلس "ماتي بنيامين" ورئيس مجلس "يشع"، لم يكن بروتوكوليًا؛ بل كان تجسيدًا لـ "تحالف المستوطنين والحكم" الذي يسعى لفرض "وقائع لا تقبل التراجع".
يأتي "شارع 45" كأداة تشغيلية لربط مستوطنات شرق وشمال رام الله مباشرة بالشبكة الطرقية القطرية في داخل الخط الأخضر. يتم ذلك عبر هندسة ربط معقدة تصل بين "شارع التفافي رام الله" القائم قرب مستوطنة "كوخاف يعقوب"، ومشروع "شِقوع قلنديا" (نفق قلنديا) الذي يمر أسفل الحاجز العسكري الشهير ويقترب من مراحله النهائية.
هذه الحلقة المفقودة التي يملؤها الشارع الجديد، ستمنح المستوطنين في كتل (آدم، كوخاف يعقوب، بسجوت، بيت إيل، وعوفرا) "امتيازًا" جغرافيًا هائلًا؛ إذ سيتيح لهم الوصول إلى مراكز المدن الإسرائيلية دون الحاجة للمرور عبر الاختناقات المرورية الخانقة عند مداخل القدس، وتحديدًا عند حاجز حزما.
يمتد الشارع من مستوطنة "شاعر بنيامين" وصولًا إلى الطريق "443"، وهو أحد الشرايين الحيوية المؤدية إلى تل أبيب والقدس، ويشمل بناء أربعة جسور ضخمة ومقطعًا تحت الأرض في منطقة قلنديا لضمان "حركة انسيابية آمنة" لا تتوقف عند التقاطعات، مع توفير مسارات دعم للمواصلات العامة، ما يرفع من جاذبية هذه المستوطنات كبدائل سكنية رخيصة وسريعة الاتصال في "تل أبيب".
لا يمكن قراءة "شارع 45" بمعزل عن "تسونامي" الاستثمارات التي تضخها حكومة اليمين في البنية التحتية الاستيطانية. فكلفة هذا الشارع وحده تُقدر بنحو 400 مليون شيكل، لكنه يمثل جزءًا يسيرًا من حزمة استثمارية ضخمة أعلن عنها سموتريتش بقيمة 7 مليارات شيكل. هذه الميزانيات الهائلة ليست لتحسين جودة الحياة فحسب، بل هي "ثمن" تثبيت السيادة على الأرض ومصادرة الفضاء العام الفلسطيني.
وتكشف تفاصيل هذه الحزمة عن مخطط منهجي للسيطرة؛ حيث يشمل مشروع "نفق قلنديا" بكلفة 80 مليون شيكل، وتوسعة شارع "60" الاستراتيجي بين مستوطنة "شاعر بنيامين" ومفترق وادي الحرامية بكلفة 975 مليون شيكل، وهي التوسعة التي التهمت 66 دونمًا من الأراضي الفلسطينية.
كما تتضمن الخطة توسعة شارع "437" (التفافي رام الله) بين حزما و"شاعر بنيامين"، حيث صودرت 76 دونمًا إضافية للأغراض الاستيطانية، تضاف إليها مشاريع نفق الشيخ عنبر للطريق الدائري الشرقي للقدس، واستكمال طريق وصول جديد لمستوطنة "بيت أرييه" (بكلفة 120 مليون شيكل). هذه الأرقام والأسماء تترجم واقعًا واحدًا: تحويل الضفة الغربية إلى شبكة طرق سريعة للمستوطنين، وجيوب معزولة للفلسطينيين.
يمثل شارع 45 وما يحيط به من مشاريع، أداة "قتل رحيم" لأي تصور مستقبلي لحل سياسي يقوم على تواصل جغرافي فلسطيني. فالشارع يسهم في تعزيز الترابط الجغرافي بين الكتل الاستيطانية ومنع أي فصل محتمل بينها في أي تسوية سياسية.
إن إتاحة الوصول السريع والآمن من المستوطنة إلى العمل داخل "إسرائيل" يعزز "الدمج الوظيفي"؛ بحيث تصبح المستوطنة ضاحية تابعة لتل أبيب أو القدس، ويغيب "الخط الأخضر" تمامًا من وعي المستوطن والمراقب على حد سواء.
يلعب مجلس "ماتي بنيامين" الاستيطاني دورًا محوريًا في هذا المشهد؛ فهو أكبر المجالس الإقليمية في الضفة، ويدير 46 مستوطنة و10 بؤر استيطانية ومنطقة صناعية، ويخدم نحو 63,700 مستوطن.
بالنسبة لهذا المجلس، فإن شارع 45 هو "العمود الفقري" لرؤيته القائمة على تعميق الامتداد الاستيطاني المتصل. وتصريحات قادة هذا المشروع لا تترك مجالًا للشك في نواياهم؛ فوزيرة المواصلات ريغيف تعتبر تطوير هذه المنطقة "هدفًا وطنيًا من الدرجة الأولى"، بينما يرى سموتريتش في الشارع "بشارة استيطانية" تكرس السيادة الأمنية والاستراتيجية.
أما يسرائيل غانتس، فقد لخص الحقيقة بوضوح حين قال إن هذا المشروع هو "رد حاسم على أي محاولة لإقامة دولة فلسطينية". هذه الكلمات تعكس الجوهر الحقيقي لسياسة الحكومة الحالية: استخدام البنية التحتية كأداة "حسم" للصراع، وليس إدارته.
في نهاية المطاف، يُظهر شارع 45 أن المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية قد انتقلت من مرحلة "التوسع العمراني" البسيط إلى مرحلة "الهندسة الاستراتيجية" الشاملة.
شبكة الطرق الجديدة ليست مجرد مسارات للمركبات، بل هي "محركات سياسية" تغير الواقع الميداني وتفرض السيطرة على مناطق استراتيجية شمال القدس وشرق رام الله. إنها تعيد رسم خريطة الحركة والتنقل بما يخدم المشروع الاستيطاني على المدى الطويل، وتجعل من فكرة الانسحاب من هذه المناطق مستقبلًا أمرًا مستحيلًا من الناحية التقنية واللوجستية.





