إسرائيل تجرّم التغطية الإعلامية في القدس

زمن برس، فلسطين: بقرار مباشر من وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس وبتوصية من جهاز الشاباك، أُدرجت خمس منصات إعلامية مقدسية على قوائم الحظر، في خطوة تُنذر بمرحلة أشد قسوة من التضييق على العمل الصحافي في القدس المحتلة. القرار لا يكتفي بإسكات نوافذ إخبارية محلية، بل يفتح الباب أمام ملاحقة كل من يعمل معها أو يتعاون معها، تحت تصنيف فضفاض يساوي بين التغطية الصحافية و"دعم الإرهاب". هذا القرار محاولة واضحة لإعادة رسم المشهد الإعلامي، خصوصاً مع اقتراب المواسم الدينية التي تتكثف فيها التغطية من المسجد الأقصى. وبين ذرائع "النظام العام" و"قانون منع الإرهاب"، تتصاعد المخاوف من فرض تعتيمٍ منهجي على ما يجري في القدس، في وقتٍ تتقلص فيه بالفعل هوامش العمل الإعلامي منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ويشمل قرار الحظر الصادر في 22 فبراير/ شباط الحالي: شبكة العاصمة الإخبارية، وشبكة معراج، وشبكة القدس البوصلة، وميدان القدس، وشبكة قدس بلس.
يقول المستشار القانوني لمحافظة القدس مدحت ديبة، لـ"العربي الجديد"، إن معظم المراسلين العاملين في هذه المنصات هم من الصحافيين المقدسيين المعروفين بخبرتهم في متابعة الانتهاكات اليومية بحق المسجد الأقصى. ويوضح أن سلطات الاحتلال بررت قرار الحظر بالادعاء بوجود علاقة بين هذه المنصات وحركة حماس، وأن الأخيرة تستغلها ــ وفق الرواية الإسرائيلية ــ لتأجيج الأوضاع والإخلال بما تسميه "النظام العام" خلال شهر رمضان، مؤكداً أن هذا الادعاء غير صحيح.
ويذكر ديبة أن سلطات الاحتلال سبق أن حظرت وسائل إعلام أخرى، مثل قناة الجزيرة، رغم عدم ارتباطها بحركة حماس، موضحاً أن تصنيف هذه المنصات باعتبارها "منظمات إرهابية" تم بموجب "قانون منع الإرهاب". ويعتبر ذلك تجنياً على هذه المؤسسات الإعلامية، يهدف إلى الحد من نقل الرواية الفلسطينية والانتهاكات اليومية بحق المسجد الأقصى والمقدسيين إلى العالم، لا سيما أن هذه المنصات تمتلك أعداداً كبيرة من المتابعين في العالمين العربي والإسلامي.
وينبه ديبة إلى أن من أخطر تداعيات القرار اعتبار أي شخص يعمل مع هذه المنصات أو يتعاون معها وكأنه متماهٍ مع "الإرهاب"، ما يفتح المجال أمام النيابة العامة الإسرائيلية لتقديم لوائح اتهام بحق فلسطينيين لمجرد عملهم الإعلامي أو تعاونهم مع الجهات المحظورة. ويضيف أن التكييف القانوني للقرار يستند إلى التعامل مع "منظمة إرهابية" بموجب قانون منع الإرهاب، إضافة إلى قانون آخر منبثق عن اتفاقية أوسلو يمنح سلطات الاحتلال صلاحيات واسعة لحظر أي نشاط أو مؤسسة أو عمل فردي أو مجتمعي. ويلفت إلى أن هذا القانون يُستخدم لحظر مظاهر السيادة الفلسطينية في القدس، بما يشمل النشاطات الثقافية والفنية والرياضية والإعلامية. ويبيّن أن قرار الحظر سيدفع العاملين في هذه المنصات إلى البحث عن بدائل إعلامية أخرى، متوقعاً عزوف كثيرين عن العمل ضمن المؤسسات المحظورة خشية الملاحقة القانونية.
ويحذر من أن نشر أي مضمون إعلامي يحمل اسم المنصات المحظورة قد يعرّض صاحبه للملاحقة القانونية ولوائح اتهام قد تصل عقوبتها إلى السجن. ومع ذلك، يدعو إلى تكثيف التغطية الإعلامية للأحداث في القدس والمسجد الأقصى عبر منصات وقنوات أخرى، معتبراً أن الهدف من حظر هذه المنصات هو الحد من نقل ما يجري في المدينة المقدسة والتأثير على الواقع القائم في المسجد الأقصى. ويوضح أن بإمكان الصحافيين أو المواطنين تغطية الأحداث ونشرها عبر حساباتهم الشخصية أو بصفتهم المستقلة، من دون الإشارة إلى أي من المنصات المحظورة، لافتاً إلى أن بعض الصحافيين قد يضطرون للعمل بصفتهم "مستقلين" لتجنب الملاحقة القانونية.
كما يفيد ديبة بأن قرار الحظر شمل جهات ومؤسسات أخرى، بينها بنوك ومؤسسات استثمارية، بعضها في تركيا وإيران، موضحاً أن التعامل المالي معها قد يعرّض الصحافيين أو المؤسسات الفلسطينية للمساءلة القانونية إذا اعتُبرت هذه الجهات ضمن قائمة المنظمات المحظورة.
وتشير الخطيب إلى أن القرار صدر من دون مسوغ قانوني عادل وشفاف، معتبرة أنه يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان والمعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير وحرية الصحافة. وتنبه إلى أن القرار قد تترتب عليه تداعيات مباشرة على الصحافيين العاملين في هذه المنصات، من بينها التعرض للملاحقة وربما الاعتقال، أو في الحد الأدنى الاستدعاء للاستجواب. كما توضح أن من بين التداعيات المتوقعة توجه هذه المنصات نحو أشكال من الإعلام البديل، مثل القنوات اللامركزية ومنصات التواصل، بما في ذلك شبكة تليغرام، إضافة إلى الاعتماد بشكل أكبر على الإعلام الشعبي أو ما يُعرف بـ"صحافة المواطن". وتلفت الخطيب إلى أن التأثير الأبرز للقرار سيتمثل في انعكاسه على قدرة الإعلام الفلسطيني على تغطية قضايا القدس بحرية واستمرارية، بما قد يؤدي إلى تضييق غير مسبوق في هوامش العمل الإعلامي داخل المدينة المقدسة.
لم يصدر تعليق عن المنصات الإعلامية التي طاولها القرار حتى الآن، باستثناء شبكة العاصمة التي أعلنت وقف جميع أنشطتها الإعلامية والإخبارية حتى إشعار آخر. وأوضحت، في بيان، أن هذا القرار "لا يُعد تراجعاً عن الموقف ولا تخلياً عن الرسالة، بل يأتي حفاظاً على مراسليها وصحافييها المقدسيين من بطش الاحتلال وتغوّله". وأضافت الشبكة في بيانها: "في خطوةٍ جديدة تضاف إلى سجلّ القمع والتكميم، أقدم الاحتلال الإسرائيلي على حظر عمل عدد من الشبكات الإخبارية المقدسية، في محاولة لعزل القدس والأقصى والاستفراد بهما وتغييب أخبارهما عن العالم". وأكدت "العاصمة" أنها وسيلة إعلامية مستقلة انطلقت من مدينة القدس بجهود محلية وذاتية، وكان لها "شرف الكلمة والميدان، وشرف الرباط بين مرابطي القدس والأقصى"، ونقل معاناتهم بصدق، وتسليط الضوء على انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه بحق المسجد الأقصى المبارك، "بنَفَس وطني وانتماء كبير"، معتبرة أنها كانت عينها على الأقصى ونافذة العالم إليه. وأضافت: "تتوقف الشبكة عن العمل مرغمة، وهي فخورة بما قدمته خلال السنوات الماضية والإنجازات التي حققتها، وشعارها الأول جعل القدس محور وبوصلة القضية". وشددت الشبكة على أن حظرها وبقية وسائل الإعلام "لن يحجب الحقيقة، وإسكات الكاميرا لن يُسكت القدس، فالرواية التي كُتبت بالدم والصمود أقوى من كل قرارات المنع".
منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي إجراءاتها بحق الصحافيين في مدينة القدس، واعتقلت وأبعدت العشرات منهم عن المسجد الأقصى المبارك، وتكثفت هذه الإجراءات مع حلول رمضان كل عام.




