بين محمد عساف وهيثم خلايلة

بقلم: 

كأن فلسطين لم تكن رازحة تحت احتلال همجي حين انشغلت بمحمد عساف، وكأن المستوطنين ما كانوا يفرخون المستوطنين في مساحتنا. يشغلنا اليوم - وابن مجد الكروم هيثم خلايلة يتقدم بصوته المثقف قدرة وموسيقى - الهمُّ الوطني، ويشغلنا ضياع القدس التي لم تكن ضائعة في عامنا الفائت. بنك فلسطين (وللاسم دلالات) انشغل وأشغل فواعل المؤسسات الثقافية والسياسية بعساف الذي استحق بصوته ما استحق، والذي يدفع الفاتورة بأثر رجعي وبتوقيع من حضوره المثقف أيضا.
فلسطين تحضر اليوم بهوية فلسطينييها من مناطق ٤٨ في برنامج أرب أيدول، وتعلن بؤس المؤسسة الإسرائيلية التي ترندح موالا يأتي من محجر غير المحجر الذي يقلع منه هيثم مواله، وتعلن بؤس "المرابطين" في خارج العمق الفلسطيني حين يقاربون انوجاد أهل الرباط في مدننا وقرانا في الساحل والجليل.
هل كنا ننتصر لعساف حين انتصرنا لعساف، أم كنا ننتصر للمخيم؟ ( يا المخيم، يا صرخة الطفل الوليد، يا جرحا يسافر في الوريد، يا رمز عاري وانتصاري، لست الحياة، فيك الحياة تولد من جديد)، وهل نحن الآن في مرابطتنا خارج دعم هيثم ننتصر لفنائنا في القرية التي لم يشكل اهلها مخيما إضافيا في المكان القصي؟
حين ارتجل هيثم في أغنية العندليب الأسمر كامل الأوصاف لم ننتبه لمراوحته بين ثلاثة مقامات هي الجنس الثاني من الحجاز ومقام النهاوند ثم مقام البيات، وحين طل عساف بهيئته القمحية انتصرنا للفلسطيني الغزي الذي يشبه العندليب الأسمر الذي عاش في مكان مجاور للجغرافيه الغزية. أي المنافقين نحن!
كاتب لبناني من طراز رفيع همس مرة في أذني، انا الفلسطيني، وقال: "كلكن دكنجية" ( يقصد الفلسطينيين الذين يعشقهم حد الموت)، وأهمس اليوم في أذن نفسي معلنا وجعي وأنا اتابع ابن مجد الكروم الذي تمت تعريته مرتين: الأولى حين تعرى مواطنا إسرائيليا بالجبر والصمود، والثانية حين ثبتنا عريه بإعراضنا عن إقراضه ثوبا فلسطينيا هو أحق به من غيره، وبإصرارنا على بقاء الثوب معروضا في دكانة عرينا الذي نفاخر به.