إعادة إعمار غزة بين تمويل الاحتلال ومحاسبته

بقلم: 

تراجع في الأيام الماضية، إلى حد التلاشي الظاهري، الحديث عن طلب فلسطيني وشيك لمحكمة الجنايات الدولية للتحقيق بشبهات جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة خلال عملية "الجرف الصامد" الأخيرة. كان اخر ما سمعناه بهذا الصدد هو تصريح لصائب عريقات نقل فيه كرة الانضمام لميثاق روما إلى ملعب حركة حماس، والتي لم تعلق على الموضوع!! تبع ذلك زيارة وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي لمقر المحكمة.

يتصدر الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي في الأيام القليلة الماضية الحديث عن عملية إعادة إعمار قطاع غزة المدمر. يدور الحديث عن عقد مؤتمر دولي للمانحين سيعقد أغلب الظن في منتجع شرم السيخ بمصر الشهر القادم. المعالم الرئيسة لهذا المؤتمر هي أبرز المواضيع التي سيناقشها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع قادة كل من المملكة العربية السعودية ومصر، حسب وكالات الأنباء المختلفة. يذكرنا ذلك بالمبادرة الفورية التي تداعت إليها دول المنطقة بدفع من الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2009 بعد ثلاثة أيام من العدوان الاسرائيلي على غزة في حينه والمسمى :الرصاص المصبوب". اليوم تتحدث الأنباء عن ذات المقاربة وهي تقديم أموال إعادة إعمار غزة عن طريق السلطة الفلسطينية، أو بكلمات أقل إشكالية من الناحية السياسية عن طريق حكومة التوافق الفلسطينية. هذا ما صرح به "فرود ماورينج" ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP في قطاع غزة.

في مؤتمر شرم السيخ المذكور تعهدت الدول المشاركة (بشكل أساسي الولايات المتحدة الأمريكية، دوول الخليج، ودول من الاتحاد الأوروبي) بتقديم 4.5 مليار دولار، وهو مبلغ بفوق ما طالبت به السلطة الفلسطينية في حينه وهو 2.8 مليار دولار. الولايات المتحدة لوحدها تعهدت بتقديم 900 مليون دولار سيخصص نصفها أو أكثر (حسب وزيرة الخارجية في حينه هيلاري كلنتون) لتمكين وتقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. لن ندخل في تفاصيل ما تم الالتزام به من تلك التعهدات، ما يهمنا هنا هو إبراز الملاحطات التالية:
1- لم تكن المشكلة في مؤتمر شرم الشيخ 2009 هي مشكلة تحصيل هذه التعهدات بقدر ما كانت المشكلة السياسية الكامنة في الشروط الاسرائيلية والمصرية لتنفيذ عملية إعادة الإعمار، والإصرار الأمريكي على حصار قطاع غزة وحركة حماس. وهي ذات المشكلة الماثلة اليوم. من الناحية المبدأية فإن تداعي المجتمع الدولي والقوى الإقليمية بهذه الكيفية ينطوي على نفاق ومهزلة أخلاقية وسياسية، إذ إن الالتزام الأول للمجتمع الدولي وللدول العربية هو التزام سياسي وقانوني ينبغي أن يركز على أن يجري تحميل إسرائيل المسؤولية عن أعمال التدمير المتعمد والقتل العشوائي. إن سرعة انعقاد مؤتمر 2009 والحديث المتزايد عن مؤتمر مماثل وشيك يمثلان عملية تمويل للعدوان والاحتلال، وكأن المجتمع الدولي يقول لإسرائيل:"دمروا، اقتلوا، وأعيدوا الفلسطينيين إلىى العصر الحجري ونحن سنسدد الفاتورة!!". هذه المرة ليس لحصار غزة وحماس بل لنزع أنياب المقاومة، وفصل غزة عن القضية الفلسطينية.
إن هذه المقاربة هي من أهم عوامل تشجيع إسرائيل على تكرار العدوان من ناحيتين: الأولى أنها تستبق وتهدف لقطع الطريق على التحقيقات الدولية في ممارسات إسرائيل في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، بحيث تشكل عقبة سياسية صلبة أمام خروج أية توصيات قانونية إلى حيز المتابعة من قبل جهات الاختصاص الدولية. مثلما كان مصير تقرير القاضي غولدستون الانتهاء إلى أرشيف المنظمات الدولية، فإن تركيز الحديث اليوم عن مؤتمر إعادة الإعمار سيوصد الطريق أمام احتمالات التحرك القضائي ضد إسرائيل بخاصة أمام محكمة الجنايات الدولية، في الوقتت الذي ترفض فيه إسرائيل التعاون مع لجنة التحقيق التي شكلها مجاس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة برئاسة الحقوقي الكندي "شاباس". ومن الناحية الثانية فإن مثل هذا النهج يحول البعدين القانوني والأخلاقي لهذا الصراع إلى مادة مساومة ومقايضة جائرة تقوم على تخيير الفلسطينيين بين حقهم في الحياة الامنة وبين حقوقهم الوطنية والأسياسية التي تنتهكها إسرائيل بأبشع الطرق.

2- تقوم المقاربة الغربية-الاسرائيلية (بإسناد من بعض الأنظمة العربية) على محاولة إيجاد حل "دائم" لما يوصف بمشكلة قطاع غزة. يتصدر هذه المقاربة توني بلير مبعوث الرباعية الدولية والذي صرح بذلك فور استنفاره إلى المنطقة في الأسبوع الأول من العدوان على غزة. هي مقاربة اقتصادية-أمنية بامتياز محورها رفع الحصار عن غزة وإعادة إعمارها مقابل "تطبيع" الواقع على جانبي الصراع، وربما نزع سلاح المقاومة. تصر إسرائيل على هذا المطلب الأخير، وحسب بعض وكالات الأنباء فإن نزع سلاح المقاومة يبقى العقبة الأكثر عنادا في المفاوضات الجارية في القاهرة.
من شأن نجاح فصل موضوع قطاع غزة عن القضية الفلسطينية، وعن ما يجري في الضفة الغربية هو أخطر ما يواجه الفلسطينيين منذ أعادة الانتشار أو ما يسمى بالانسحاب الاسرائيلي أحادي الجانب من القطاع في العام 2006 وما تبعه من أحداث. بهذا الصدد فإن عدم تقديم الوفد الفلسطيني الموحد لمطلب إعادة ربط الضفة بغزة، والقبول الضمني لبحث الحصار على القطاع دون ربطه بالاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية يعتبر خطأ استراتيجيأ فادحأ.

3- في عدوان 2008/2009، كما في عدوان 2012 خاضت الدبلوماسية الأمريكية - في إسناد الإصرار الاسرائيلي- معركة شرسة لتجنيب إسرائيل المحاسبة القضائية أمام محكمة الجنايات الدولية. يعرف كل المتابعين ما حل بتقرير القاضي غولدستون، والذي مثل التراجع الفلسطيني عن دفعه باتجاه نهايته المنطقية إخفاقا فاضحا في تحمل الجهات الرسمية الفلسطينية لمسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني. اليوم يتكرر ذات السيناريو. من حيث المبدأ فإن على كل الجهات ذات العلاقة أن لا تدخر جهدا لوضع نهاية لعهد "الحصانة" الذي تتمتع به إسرائيل تجاه ممارساتها كقوة احتلال، وتجاه جرائم الحرب التي ترتكبها، وكذلك ممارساتها الاستعمارية. لن يكون من السهل اليوم، وقد أصبحت هناك سابقة في تحويل الحقوق إلى مادة للمساومة السياسية، المضي قدما في التحرك لرفع دعوى أمام محكمة الجنايات الدولية. تحول احتمال التحقيق في أفعال إسرائيل إلى معركة سياسية شرسة، وأغلب الظن بأن هذا الموضوع المسكوت عنه في كل التصريحات الصادرة عن مفاوضات القاهرة هو في صلب المواضيع التي تصر إسرائيل ومصر والولايات المتحدة الأمريكية (كل لأسبابه الخاصة) على ضمان عدم تحرك الفلسطينيين نحو اسنتفاذه كخيار ثابت.

اليوم وبعد ضغوط فلسطينية داخلية متزايدة (مثلا قدمت 17 منظمة حقوقية فلسطينية طلبا لرئيس السلطة الفلسطينية في أيار الماضي للانضمام إلى ميثاق روما الخاص بمحكمة الجنايات الدولية، ويوم أمس دعت عشرات الشخصيات الفلسطينية الأكاديمية والحقوقية والسياسية القيادة السياسية الفلسطينية إلى الانضمام الفوري للميثاق كخطوة في استراتيجية بديلة للمفاوضات الثنائية) لا يبدو بأن لدى القيادة الفلسطينية خطة واضحة بهذا الشأن. لا تكمن أهمية الانضمام لمحكمة الجنايات الدلوية فحسب في فتح تحقيق وملاحقة إسرائيل على جرائمها في قطاع غزة، بل سيتعداه إلى التحقيق في ممارسات اسرائيل الاستيطانية في الضفة الغربية وتحميل قادتها المسؤولية عنه باعتباره جريمة حرب حسب ميثاق روما الذي تستند إليه محكمة الجنايات الدولية. فوق ذلك فإن من شأن هذه الخطوة في حال اتخاذها أن تعيد صياغة بنية العلاقات الفلسطينية-الاسرائيلية بالاستناد إلى مرجعيات بديلة للتفاوض، وتضع الولايات المتحدة أمام مسؤولياتها ذات العلاقة باحترام القانون الدولي.

بات من الواضح بأن امتناع القيادة الفلسطينية عن اتخاذ هذه الانعطافة التاريخية يعود للضغوط الكبيرة التي تمارس عليها من قبل الولايات المتحدة، وربما من قبل أطراف إقليمية، ناهيك عن التهديدات الاسرائيلية. ثمة ثلاثة احتمالات لتقوم محكمة الجنيات الدولية بفتح تحقيق حول الجرائم التي تقع في نطاق صلاحياتها ومن بينها جرائم إسرائيل: الأول هو أن تتقدم دولة عضو في الأمم المتحدة ومن الموقعين على ميثاق روما لطلب تحقيق. في هذه الحالة فإن الرجل الوحيد الذي بيده تحريك دعوى بحق إسرائيل هو محمود عباس بصفته رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة. الثاني هو أن يطلب مجلس الأمن الدولي بالاستناد إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة التحقيق في جرائم من اختصاص المحكمة، وهذا احتمال مستبعد بحكم الموقف الأمريكي المعارض بشدة لهذا التوجه. أما الاحتمال الثالث فهو أن يفتح مدعي عام المحكمة تحقيقا بحكم ما يتوفر له من معلومات تشير إلى ارتكاب جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية، وهذا الاحتمال تتضائل فرص حدوثه بحكم الضغط الغربي الكبير الذي يمارس على المدعية العامة للمحكمة "فاتو بنسودا" والتي وصلت حسب تقارير متطابقة حد تلويح الولايات المتحدة بأن مستقبل المحكمة رهن بإقدامها على فتح تحقيق بجرائم إسرائيل، وهو -حسب التهديد- ما لا تستطيع المحكمة تحمل تبعاته السياسية. مما لا شك فيه بأن مستقبل وقدرة المحكمة على الوفاء بالتزامها الأساسي المتمثل بضمان عدم مرور جرائم الحرب دون عقاب يحتاج إلى وقوف قوة أو قوى عظمى من وراء المحكمة وهو ما لا يتوفر اليوم. إن كل من روسيا، والهند، والصين، والولايات المتحدة ليست دولا أعضاء في ميثاق روما، فلكل منها ما تخشاه لجهة ارتكابها لخروقات جدية للقانون الدولي واقترافها لجرائم حرب.
يبقى الاحتمال الوحيد هو أن تقدم القيادة الفلسطينية على هذه الخطوة. برأي منطمة "هيومان رايتس واتش" فإن المحكمة لن تتحرك بدون تفويض من القيادة الفلسطينية"، والتي يجب عليها حسب هذه المنظمة أن تقف بوجه كل الضغوط الخارجية والداخلية وتتخذ قرارا بالاتجاه الصحيح.  إن التذرع بمعارضة  حركتي حماس والجهاد الإسلامي لهذه الخطوة غير مبرر على الأقل لم يبرز حتى اللحظة أي احتمال لأن تقوم إسرائيل بتحريك دعوى من هذا القبيل رغم أن التحقيق سيشمل بالتأكيد البحث في احتمال ارتكاب فصائل المقاومة لجرائم حرب. إن هذا الأمر متروك للمحامين ولنصوص ميثاق روما وليس لقرار سياسي مسبق. إن درجة عدم اليقين الكامنة في الحسابات السياسية للقيادة الفلسطينية قد تكون في محلها في ظل هذه المعطيات، إلا أن عدم اليقين سيكون أكبر في حال لم تقدم هذه القيادة على إحداث تغيير جذري في نهجها. إن هذه الخطوة  لن تزيد من الانغلاق السياسي ولا من عدوانية إسرائيل. من هذه الزاوية فإن الاحتمالات متساوية من ناحية الثمن المترتب على اتخاذ الخطوة وعدم اتخاذها اخذين بالاعتبار تجربة تقرير غولدستون والعلاقات الأمريكية-الاسرائيلية المتأزمة في الاونة الأخيرة. والحال هذه فإن ليس أمام القيادة ما تخسره سوى مشروع على الورق لإعادة إعمار غزة لا شيء سيضمن عدم تحوله إلى ورقة إضافية بيد إسرائيل تبتز فيه الفلسطينيين، ويمنحها إعفاء جديد من المحاسبة.

*  أستاذ السياسة الدولية والسياسات المقارنة