لا مجال للعودة إلى مرحلة الانقسام ...

بقلم: 

 

عودة لغة الاتهامات وبتبادل إلقاء المسؤوليات كل على الآخر، بين "فتح" و"حماس" لتطغى على المشهد الاحتفالي الذي أضفاه اتفاق الشاطئ بشأن المصالحة الفلسطينية، وولّد نوعاً من التفاؤل الحذر، هذه العودة، إلى لغة ما قبل اتفاق الشاطئ، خيمت على الوضع الفلسطيني، بعد أن استنزف، تشكيل وإعلان الحكومة، كل اهتمام لدى الجمهور.
الانطباع العام لدى الجمهور الفلسطيني، أن الخطوة الأولى نحو تنفيذ اتفاق المصالحة المعروف باسم الوثيقة المصرية، ليست كافية لتبديل مشاعر التشاؤم بمشاعر الأمل والتفاؤل، فتحقيق المصالحة وإن كان ذلك خيار الضرورة دونه مصاعب ومشكلات وعقبات كثيرة، يبدو أن على المجتمع الفلسطيني أن يتحضر لدفع ثمن تجاوزها.
كان من المفروض والمتوقع، أن يكون تشكيل وإعلان حكومة الوفاق الوطني بداية لمرحلة مختلفة، يلمس فيها المواطن ويرى بأم عينيه، بعد أن سئم التصريحات المخيبة للآمال، أن يلمس ثمار المصالحة بتغير الظروف والإجراءات والممارسات من قبل السلطات، ومن قبل الفصائل السياسية.
غير أن المفروض والمتوقع شيء والواقع والوقائع شيء آخر، فإذا كان خط السير العام لاتفاق المصالحة، آمن، بسبب استمرار العوامل التي أنتجته وجعلت من خيار المصالحة، خياراً اضطرارياً، فإن كل خطوة، وكل ملف من ملفات المصالحة الخمسة، يحتاج إلى اتفاقيات وإلى استمرار عملية الدفع الإيجابي المسؤول، للانتقال من معالجة ملف إلى معالجة آخر، دون أن تحصل ارتدادات خطيرة تهدد بعودة مناخات الانقسام وان بأشكال جديدة.
منذ تشكيلها لم تترك الحكومات أية بصمات أو تأثير يذكر على الوضع الفلسطيني لا كمجموع ولا كأفراد، وكأن تشكيلها وإنهاء الحكومتين السابقتين يشكل الهدف بحل ذاته.
ليس لدى الحكومة أي عذر، حتى لو أن إسرائيل اتخذت إجراءات تعرقل انعقادها، وتصعب أداءها لمسؤولياتها الجماعية، فلقد كان ذلك محسوباً سلفاً، وكان ينبغي أن تكون ثمة حلول وبدائل تتجاوز العقبة الإسرائيلية. الوزراء لم يتسلموا مسؤولياتهم في قطاع غزة، حيث قاموا بذلك في الضفة، دون أن يعلم أحد متى وكيف سيتم تسلم مسؤولياتهم في قطاع غزة، أو أن يعلم أحد، عن مصير الموظفين في السلطة، وعلاقاتهم بموظفي الحكومة المقالة.
الحال إذاً على حاله في قطاع غزة، ولكن رسمياً بدون وزراء وبدون خطط وتوجيهات أو قرارات، وكأنه لم يقع شيء، سوى القلق الشديد على مستقبلهم كموظفين في عهدة الحكومة الجديدة، والتوافق الوطني.
الحوار توقف عملياً بين الحركتين إلاّ من بعض الاتصالات الهاتفية في حين كان يفترض، أن تشكيل حكومة الوفاق الوطني، يحتاج إلى لجنة حوار قيادية دائمة العمل والانعقاد لتسهيل عمل الحكومة ومساعدتها على أداء مسؤولياتها، وإزالة العقبات الداخلية التي كرستها مرحلة الانقسام من أمامها.
واقعياً، السلوك بقي على حاله بعد المصالحة، كما كان قبل المصالحة، فالشكاوى من الاعتقالات السياسية التي تمارسها السلطة في الضفة، لا تزال تذكّرنا بزمن وأجواء الانقسام، والتنسيق الأمني قائم على قدم وساق رغم قرارات الحكومة الإسرائيلية بمقاطعة السلطة في بعض المجالات التي تهم إسرائيل.
وفي هذا المناخ، نشبت أزمة رواتب موظفي الحكومة المقالة، الذين عانوا لبضعة أشهر، بسبب عدم حصولهم على رواتبهم كاملة، وها هم اليوم، يشعرون بقلق شديد على لقمة عيشهم، بسبب غياب الحل الواضح لمشكلتهم. الحديث هنا يدور عن أكثر من أربعين الف موظف وأسرة، بغض النظر عن أية ملاحظات، والكثير منها هامة ومتوجبة الدراسة، إلاّ انهم ومشكلتهم في عهدة ومسؤولية حكومة الوفاق، وفي الأصل في عهدة ومسؤولية من توافقوا واتفقوا على تنفيذ اتفاق المصالحة.
غير أن الإقرار بهذه الحقوق، والمطالبة بضرورة معالجتها، وفق القانون ووفق مخرجات الحوار، وحسب اتفاق المصالحة، هذا كله شيء، والطريقة التي تم التعبير من خلالها عن الاحتجاج شيء آخر، ما كان يفترض بحركة سياسية أن تلجأ إليه على النحو الذي حصل منذ مساء الأربعاء قبل الماضي.
إغلاق البنوك بالقوة، ومنع المحلات من البيع على "الفيزا كارت" لكل هذا الوقت، هو إغلاق لحياة الفلسطينيين، فالبنوك لا تخدم فقط أصحاب الوظائف الرسمية، ما أدى إلى شلل الحياة التجارية في وقت يستعد فيه التجار لتوفير حاجات الناس خلال شهر رمضان الذي أصبح على الأبواب.
وفي الواقع فإن استخدام القوة، واحتكارها، واحتكار عملية وأشكال الاحتجاج، ومنع الآخرين بالقوة من التعبير عن تضامنهم واحتجاجهم على ما جرى، يشكل امتداداً لمرحلة الانقسام، ومواصلة انتهاك حريات المواطنين.
والسؤال هو لماذا قبلت قيادة "حماس"، بأن يتم البدء بتنفيذ اتفاق المصالحة بدءاً بتشكيل وإعلان الحكومة، بدون أن يحصلوا على اتفاق واضح بشأن كيفية التعامل مع ملف الموظفين؟ في كل الحالات فإن الناس المتضررين لن يكترثوا لكل الحديث عن مسؤولية هذا الطرف أو ذاك، وان المساس بحقوقهم على النحو الذي وقع يسيء إلى أبعد الحدود لحركة حماس.
في الواقع ينقلنا هذا التحذير إلى تحذير آخر يتصل بطريقة عمل القيادات السياسية، صانعة القرار، والمتحكمة في رقبة الشعب الفلسطيني من أنها لا تستطيع تجاهل مشاعر وحقوق الناس، وإلاّ كان الانفجار في وجه الجميع شاملاً.
تعثر أول القضايا أمام حكومة الوفاق، يستدعي الاستعجال في تشكيل هيئة عامة لمتابعة مجريات المصالحة، بما أنها إجراءات طويلة ومعقّدة، وذات طابع وطني شمولي، لا تخص حركتي حماس وفتح وحدهما، وربما تستدعي، أيضاً، وجود الشريك المصري ليس شاهداً، وإنما فاعل في معالجة الكثير من القضايا الشائكة.

 

المصدر: 
الأيام