Jump to Navigation


استقرار الأنظمة في الشرق الأوسط

 

قال الفائز بجائزة نوبل، الفيزيائي نيلس بوهر في مطلع القرن العشرين إن «التنبؤ بالغ الصعوبة، خصوصاً حول المستقبل». ومع ذلك فإننا نقدر أن من الجدير والصائب محاولة استخلاص المعايير المركزية التي قد تساعدنا على التنبؤ بالتطورات المستقبلية في دول الشرق الأوسط.

وبعد عامين على نشوب الانتفاضات التي عاشتها دول الشرق الأوسط، يمكن القول إن «الربيع العربي» مر بـ«صيف لاهب» ويقترب من «شتاء إسلامي»، ليس واضحاً كم سيطول. والسبب المركزي بشأن مستقبل الدول والأنظمة في المنطقة، على الأقل في المدى المنظور، يكمن في تبخر الآمال بازدهار سريع للديموقراطية في هذه الدول بـ«أثر الدومينو»، الذي يذكر بما أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي. فالميزان المرحلي للأحداث في الشرق الأوسط يشهد بأنه فقط في قسم من الدول العربية أربع من بين 22 دولة - أسقط الحاكم المستبد. وهذه هي ليبيا، مصر، اليمن وتونس. وفي سوريا تدور حرب أهلية، نهايتها أياً كانت - غير واضحة، وكذا أيضاً ليس واضحاً مستقبل نظام بشار الأسد. وفي البحرين حسم الصراع في هذه الأثناء، والنظام بقي على حاله. وفي دول أخرى في الشرق الأوسط لم تدفع التوترات بين النظام والجمهور والاحتجاج الشعبي نحو أي تغيير سياسي جوهري، ولم تنشأ كتلة حرجة تقود إلى تغيير النظام.

وفي الدول التي أُسقط الحاكم فيها، لم ينته تماماً نفوذ مقومات من النظام القديم. ومصر مثال واضح في هذا السياق. فالجيش لا يزال عنصراً قوياً وارتبط بالإخوان المسلمين، الذين فازوا في الانتخابات البرلمانية والرئاسية. ومع ذلك، فإن الخلافات على الصلاحيات وفحوى الإصلاحات تجعل متعذرة عليهم بلورة ديموقراطية مستقرة. وتمر مصر وتونس بسيرورة تغيير ما بعد ثورية، تتميز بتعذر بلورة نظام جديد مستقر. وهذه الدول وسواها تواجه مصاعب اقتصادية وتحديات خطيرة للقانون والنظام ظواهر تجعل من الصعب فيها استقرار الحكم الجديد.

وكل دولة هي حالة فريدة بذاتها. ومع ذلك، فإن هذا الكتيّب سيعرض ويحلل العناصر الأشد تأثيراً على تطور التغيير في أي دولة شرق أوسطية. وعدا تبيان العناصر المؤثرة، سيعرض نموذجاً يمكن بواسطته تقدير قوة العناصر المختلفة، وتوفير إجابة للسؤال: هل احتمالات الاستقرار السلطوي في الدولة متدنية، متوسطة أم عالية، وأي دولة ذات احتمال أكبر للمرور بعملية تغيير النظام. والحالة الأولى التي ستحلل هي مصر في يناير 2011، عشية الثورة، التي قادت إلى سقوط الرئيس مبارك وانتصار «الإخوان المسلمين» في الانتخابات التي جرت في العام 2012، للبرلمان والرئاسة. وهذه الحالة مُعَدّة لتسويغ النموذج المقترح، ولتجسيد المزايا الكامنة في كيف أن تشريح الحالة المصرية بنظرة إلى الوراء يشير إلى الإخفاقات الأساسية في التقدير بشأن استقرار حكم مبارك عشية الثورة. وبعد ذلك سيُستخدم النموذج لتحليل احتمالات الاستقرار السلطوي حالياً في سوريا، والمملكة السعودية وإيران وهي دول هامة، ما يجري فيها يؤثر بشكل ملموس على مستقبل المنطقة بأسرها، بل ويتخطاها.

 

الفصل الأول

النموذج

 

والمعايير التي تمّ تشخيص تأثيرها على تطور الانتفاضات والثورات في الشرق الأوسط تنقسم إلى أربعة ميادين: الميدان الداخلي، الميدان الدولي، الميدان الاقتصادي، والعناصر المعرقلة للتغيير السلطوي. ويركز النموذج على أسئلة، تشير الأجوبة عنها إلى تقدير مساهمة المعيار في استقرار الحكم في الدولة. والإسهام الإيجابي للحكم سيشار إليه بالأخضر، فيما يُشار للإسهام السلبي الذي يعرّض للخطر سلطة الزعيم ويساعد في تشكيل كتلة حرجة للتغيير السلطوي باللون الأحمر. والتقديرات المختلفة ستُحلل في تقدير شامل لاحتمالات استقرار الحكم في الدولة. كما ستحلل النتائج العددية وفق القيم النسبية للمعايير المختلفة، حيث يتراوح مدى العلامات بين صفر لأضعف احتمال لبقاء حكم الزعيم إلى مئة، كاحتمال مرتفع جداً لاحتفاظه بالحكم. (وللتسهيل على القراء فإن ما يقع بين صفر وأربعين يعني قدرة متدنية لاحتفاظ النظام بالسلطة، في حين أن ما يقع بين 40 -80 يعبر عن تقدير بأن استقرار الحكم متوسط، في حين كل ما يزيد عن 80 يشير إلى تقدير بأن احتمال الاستقرار السلطوي في الدولة عالٍ. وبديهي أن التعامل مع هذه المعطيات ليس بوصفها قيماً مطلقة، أي أن العلامة 61 تعبر عن احتمال متوسط باستقرار الحكم لكنها تشير إلى احتمال أدنى من علامة 75 الموجودة في التصنيف نفسه).

ويستند النموذج على استخدام منهجية «Expert Choice» المعدّة لمساعدة صناع القرار على بلورة منطق موجّه عند التوجه لمجابهة تحد جديد، على أساس تحليل أساسي للواقع، بالربط بين مكونات كمية ونوعية. وتسمح هذه المنهجية بفحص الفرضيات الأساس لصناع القرار، وبذلك تثير نقاط الخلاف الأساسية وتسمح بفحصها بعمق، عن طريق تفكيك التحدي إلى عناصر، وتقييمها على انفراد وربطها من جديد. وهذه المنهجية مطلوبة، بين أسباب عديدة، لتحسين عملية اتخاذ القرارات لدى القيادة، ولخلق توقع موثوق لميول الحاضر. وهذان الهدفان يتسمان بأهمية حاسمة لدى المنشغلين بتطورات موجة «الانتفاضات العربية» وتأثيرها على عملية بلورة السياسات.

ملاحظة منهجية: على المشككين بالنماذج الكمية أن يروا في النموذج المقترح إطاراً مفهومياً، يركز على المعايير الأساسية ذات الصلة بفحص احتمالات شيوع الاستقرار السلطوي في دولة معينة. وبداهة أن بالوسع منح قيم مختلفة للمعايير التي تركب النموذج، رغم أن تحليل الحساسية يظهر أن النتيجة النهائية تكاد لا تتغير. وهدف النموذج تمكين صانع القرار من بلورة سياسة على أساس تحليل منهجي لاستقرار النظام في دولة معينة. ولا يجب قبول الفرضيات الأساس الكامنة في أساس تحيد القيمة العددية للمعايير المختلفة من دون تشكيك، بل العكس، فالنموذج يسمح باكتشاف المعايير الحاسمة وفرضيات الأساس المتعلقة بها، ويفحصها بشكل دقيق ونقدي. ولأن النموذج يعرض صورة وضع راهنة، فإنه يستدعي إعادة نظر بين فترة وأخرى للمعايير المختلفة: هناك حاجة بين الحين والآخر لفحص ما إذا كان هذا المعيار قد شهد تغييراً جوهرياً، وإذا حدث ذلك، يكون من الصائب تنفيذ إعادة تحليل. والتقدير الناجم عن استخدام النموذج سيكون له معنى طالما أن الظروف التي أجري في ظلها لم تتغير بشكل مثير. لذلك، في أوقات الأزمة، حيث تكون التغييرات أشدّ، ينبغي النظر في تحديث النموذج وفق حاجة صناع القرار.

 

معايير النموذج والأسئلة الموجّهة

 

1. الحلبة الداخلية (القيمة الكلية: 30)

الولاء ونجاعة النخبة العسكرية (القيمة 18) هل الجيش موالٍ للحكم والحاكم، وإلى أي حدّ هو مستعدّ للدفاع عن سلطته عبر استخدام وسائل عنيفة؟ وهذا هو المعيار الأهم في الردّ على السؤال، هل الانتفاضة ستتحوّل إلى ثورة. فولاء الجيش للزعيم واستعداده للمحاربة من أجل النظام عبر توجيه السلاح نحو سكان الدولة المنتفضين هو الحاجز الأول، وأحياناً الحاسم والأخير، الذي يواجه الراغبين في قيادة ثورة. أولاً، عليهم التغلب عى عقبة الصورة الشرعية للجيش. وقدرة زعماء الاحتجاج والانتفاضة على توحيد كتل كبيرة من الناس لإنهاض انتفاضة ستكون محدودة جداً، حينما يقف قبالتهم جيش عازم لا يخشى استخدام القوة.

وسؤال يتعلق بذلك وهو، هل السكان أنفسهم يخافون من أجهزة الأمن والجيش؟ مثلاً، في مصر وليبيا، هزّ المساس بردع الجيش النظام. في البحرين أوقف التدخل العسكري الاحتجاجات. فضلاً عن ذلك، تشكل النخبة العسكرية السور الواقي الأقرب للزعيم. وقد كشفت الانتفاضات في مصر، ليبيا وسوريا أنماط عمل وردود فعل متباينة للجيش مقابل الاحتجاجات المتصاعدة. فالجيش الحامي جيداً للمصالح الاستراتيجية للنظام والمستعد لتوجيه السلاح ضد المدنيين يشكل، إذن، عنصراً مركزياً في حسم مصائر الانتفاضات.

كذلك من المهم دراسة إخلاص وفعالية أجهزة الدولة الأمنية غير العسكرية، مثل أجهزة الاستخبارات والشرطة. صحيح أن الجيش مركزي في الحفاظ على النظام العام في الدول العربية وأن هذا العنصر لاحق في الأهمية، ولكن بسبب الخصائص المشابهة لخصائص الجيش والصلة بينها وبين الجيش نفسه، يجدر التعامل معه كمقوم في تحديد علامة هذا المعيار.

مشروعية النظام والزعيم (القيمة: 7) هل ينظر للنظام والزعيم أنهما جديران، غير فاسدين ويخدمان المصالح الوطنية؟ وعندما تكون صورة النظام والزعيم في نظر الجمهور إيجابية، أي يحظيان بمشروعية، يكون هناك استعداد من جانب المعارضة لقبول سيرورات تعديل وإصلاحات، عبر الحفاظ على النظام. والأمثلة التقليدية في العالم العربي هي الممالك التي لا يُنظَر لزعمائها بأنهم فاسدون، ويعتبر الحكم حامياً للمصالح الوطنية. والحديث يدور عن المغرب، السعودية، الأردن والإمارات الخليجية. في هذه الدول يحظى النظام الحاكم بتعاطف شعبي، لأسباب بينها، التحاور البناء بين النظام والشعب، الدائر عبر آليات عشائرية تقليدية. ويهتم هذا الحوار بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، يقود إلى إصلاحات محدودة، ولذلك يسمح بـ«إطفاء حرائق» انتفاضات محتملة. والمثال على ذلك الشرعية التي لا يزال يتمتع بها الملك في الأردن والمغرب، حيث يتعذر على خصومهما العمل وتتقيد مطالبهم باستبدال الحكومة وإجراء إصلاحات سياسية محدودة. وعندما تهتز شرعية النظام، كما حدث لمعمر القذافي في ليبيا، يتعذر على معارضيه الاكتفاء بحلول جزئية، بل ويعملون على الإطاحة بالنظام.

مع ذلك، فإن تحليل معنى عنصر الشرعية يفترض أن يشير إلى التمييز بين النظام والزعيم. وقد شهدت على هذا التمييز، مثلاً، أحداث تونس. فالنظام القديم حافظ على مشروعية وسط الجمهور، على الأقل جزئياً، فيما خسر الرئيس بن علي شرعيته. وهذه الحقيقة أتاحت الحفاظ على مؤسسات الحكم، وأجبرت القوة السياسية الصاعدة حزب النهضة الإسلامي - على قبول حلول وسط لترسيخ مكانته في السياسة التونسية.

أهمية النخبة الدينية وتأييدها للنظام والزعيم (القيمة: 5) والأمر يتعلق بمجتمعات إسلامية تقليدية في أساسها، ولهذا السبب يفترض أن يكون معنى لدعم المؤسسة الدينية للحكم. وسؤال يرتبط بذلك هو، هل جهاز الدعوة في الدولة شبكة المساجد والمؤسسات الخيرية، التعليم والدعم الاجتماعي الديني - الإسلامي متوافق مع موقف المؤسسة الدينية. وسؤال آخر وهو: ما الحجم السياسي لهذين العاملين، سوياً وكل واحد على انفراد.

إن قوة النخب الدينية المشكلة من المؤسسة الدينية الرسمية ومن جهاز الدعوة - وعلاقتها بالحكم تختلف من دولة إلى أخرى. وحينما تتوافق المؤسسة الدينية من ناحية وجهاز الدعوة من ناحية أخرى ويتداخلان في السياسة الداخلية في الدولة، ينتظر أن يكون تأثيرهما على التطورات ونتائجها على الانتفاضة الشعبية أكبر. وتشكل إيران نموذجاً للتماثل شبه التام في المصالح بين النخبة الدينية وبين الزعامة. وإذا كانت النخبة الدينية تؤيد بشكل جارف وصريح الحكم، كما يحدث أيضاً في دول الخليج، فسوف يتعذّر على المعارضة حشد الشرعية وتوسيع نفوذها في الدولة. ولكن، حينما يخرج قسم من النخبة الدينية علناً ضد النظام ويستخدم جهاز الدعوة للنضال ضد الحكم، يفترض أن يشكل حافزاً هاماً لنشاط المعارضة. في سوريا، مثلاً، رغم أن المؤسسة الدينية - السنية واصلت دعم النظام حتى ما بعد نشوب الانتفاضة ضد حكم الأسد، واستغلّ الكثير من زعماء السنة المحليين شبكة المساجد والدعوة للخروج ضد النظام. وكان تأثيرهم المحلي أقوى بكثير من تأثير المؤسسة الدينية الرسمية. ومهمة الإشارة إلى أن في حالات كثيرة، كانت النخبة الدينية مجرد راكب عابر للقوة المعارضة. كما حدث في حالات ليبيا، سوريا ومصر، وهي تميل للانضمام متأخرة للقوة التي تحرك الانتفاضة، ولا تبادر لذلك بنفسها.

2- الحلبة الدولية (القيمة: 20)

الدعم/العداء من جانب الأسرة الدولية (القيمة: 11) هل الظروف الجيوسياسية تمنع أم تشجع التدخل الدولي المؤثر على عملية التغيير، وما جدوى التدخل دعم النظام أو معارضيه؟

إن التدخل الخارجي هو المعيار الثاني في الأهمية لتقدير احتمالات التغيير السلطوي في الدولة. وبقدرة التدخل الدولي أن يضيف كتلة حرجة لأي من طرفي المعادلة النظام أو معارضيه. لذلك، يتعلق الأمر بأحد المعايير الوحيدة القادرة على إحداث تغيير ميل في المواجهة. أولاً، ينبغي فحص مدى منطقية احتمال التدخل. سوريا تشكل مثالاً لدولة تحظى بحماية خارجية روسيا - من التدخل الدولي الواسع النطاق: موسكو تمنع فرض عقوبات دولية على سوريا، توفر للنظام حماية من الإدانة في مجلس الأمن الدولي وتسلح قوات الأسد.

فضلاً عن ذلك، ينبغي فحص جدوى التدخل واحتمال تأثيره على ميزان القوى بين النظام ومعارضيه. وفيما ضمن التدخل في الحالة الليبية تدخلاً عسكرياً أوروبياً، غدا الجدال في الشأن السوري محصوراً بتسليح المعارضة واحتمال فرض عقوبات وعزلة دولية. واجتماع هذه العوامل، إضافة لأخرى ستبين لاحقاً، يجسد تعقيدات قضية التدخل الدولي وتأثيره المحتمل على ميزان القوى في الدولة التي شهدت الانتفاضة.

دعم/عداءإقليمي (القيمة: 9) هل الدول المجاورة، بمكانة قوة عظمى إقليمية، مستعدة للتدخل واستخدام القوة «الصلبة» أو «القوة «الناعمة»، لمساعدة الانتفاضة أو لقمعها؟

عدا احتمال التدخل الدولي الواسع، فإن تدخل قوة إقليمية قريبة يمكن أن يؤثر بشكل دراماتيكي على ميزان القوى بين النظام ومعارضيه. وتدخّل المملكة السعودية في قمع التظاهرات في البحرين كان حاسماً لوقف «الربيع العربي» في الدولة. كما أن العمل التركي ضد النظام السوري يشير إلى الدور المركزي للقوى الإقليمية في السياسة الداخلية في الدول داخل مناطق نفوذها. ويمكن تقدير أن بوسع القوى الإقليمية، ذات الشأن، أن تحسم مصائر الانتفاضات في دول مجاورة. لذلك مطلوب دراسة المصالح، خصوصاً لاعتبارات بشأن العمل، وأيضاً قدراتها. وعلى هذا الأساس يمكن تقدير أثر عملها على ميزان القوى بين النظام والمعارضة.

3- الحلبة العامة (قيمة إجمالية: 25)

الوضع الماكرو - اقتصادي (القيمة: 10) - الوضع الاقتصادي للدولة، وهل الاقتصاد قابل للحياة؟

أبحاث كثيرة تبحث في مسألة أهمية العامل الاقتصادي في التنبؤ بالانتفاضات. وفيما ترى النظرة التقليدية في الوضع الاقتصادي العام للدولة شرطاً إلزامياً لنشوب الانتفاضات الشعبية، تظهر أبحاث جديدة حالات لم تنشب فيها انتفاضات، رغم سوء الوضع الاقتصادي جداً (مثال، كوريا الشمالية). نعم هناك حالات أخرى، كان البعد الاقتصادي ثانوي في أهميته (ليبيا مثلاً، الغنية بالنفط). وفي ضوء السجال النشط في هذا الموضوع، يميز هذا النموذج بين ثلاثة معايير تتعلق بالمجال الاقتصادي والقدرة على التنبؤ بانفجار الانتفاضات في الشرق الأوسط.

إن ما كان بوسعه أن يتطور إلى انتفاضات شعبية في دول الخليج يشير إلى أن استخداماً مدروساً للمال يمكن أن يوقف الميل المتطور. وقد ردت الأنظمة الخليجية على التطورات الإقليمية بزيادة رواتب موظفي الدولة، والمساعدة في تمويل التعليم العالي، وتخصيص مساكن وفتح مشاغل جديدة لمواطني الدولة، وأفلحت بذلك في سد الثغرة. والدرس المستخلص هو أن اقتصاداً قوياً، موارد طاقة (نفط وغاز) وفوائض عملات أجنبية عالية يمكنها أن توفر وسيلة لبقاء النظام في مواجهة احتجاج شعبي صاعد. وبالمقابل فإن النظام في الأردن، والمضطر لمواجهة ضائقة اقتصادية ويعتمد على مساعدة خارجية، يواجه مصاعب في محاولته كبح شرارات الانتفاضة التي انطلقت في الدولة.

إخلاص وأهمية النخبة الاقتصادية (القيمة: 7) هل النخبة الاقتصادية في الدولة تبدي إخلاصاً للنظام؟

وتلعب النخبة الاقتصادية دوراً مختلفاً بين دولة وأخرى. ففي الأردن وسوريا النخبة خارج النظام، أي، أنها لا تشارك في الحكم ولا تشكل جزءاً منه، وتأثيرها على الاقتصاد الوطني كبير. وفي مصر والسعودية النخبة خارج النظام، لكنها صغيرة ولذلك ارتباط النظام بها ضئيل. والحالة السورية، تعبر عن أهمية ولاء النخبة الاقتصادية لاستقرار النظام، حيث يلعب دوراً مركزياً في الاقتصاد الوطني. وطوال أكثر من عام منذ نشوب الانتفاضة السورية، لم تنتشر الاضطرابات في أحياء دمشق وحلب التي تقيم فيها النخبة الاقتصادية. والتسلل إلى هذه الأماكن يشهد على التحول في ميزان القوى في سوريا. فالتنصل الصريح والواسع للنخبة الاقتصادية في سوريا من نظام الأسد يشكل إحدى شارات اقتراب سقوطه.

الفجوات الاقتصادية ووعي الطبقة الوسطى والشرائح الدنيا للفجوات (القيمة: 8) هل الفجوات الاجتماعية، الفساد والتوترات بين الرأسماليين وباقي الجمهور يمكن احتواؤها؟

وخلافاً للبعد الماكرو اقتصادي، وهو «موضوعي» ويتعلق بالدولة عموماً، فإن الوعي بالوضع وقدرة احتوائه وتقبله هي معايير تعبر عن تقييمات «ذاتية»، بشأن السكان كأفراد. فأثمان الغذاء الغالية ونقص أماكن العمل للشباب في الدول العربية تشكل في حالات كثيرة السبب الرائد للانتفاضات. وقلة رضا مستخدمي الدولة، المفترض بهم حماية النظام من الانتفاضات يمكن أن يقلب المواجهة مع المعارضة إلى مهمة بالغة الصعوبة. فالوعي بالفوارق الاجتماعية كان السبب المركزي الذي أشعل الانتفاضات في مصر واليمن. ورغم أن الاحتجاج المصري اتخذ طابعاً مختلفاً مع الوقت، وتركز في مواضيع حقوق المواطن، فإن السبب المركزي لنشوبها كان عدم رضى الشرائح الشبابية والطبقة الوسطى عن الفوارق الاجتماعية الاقتصادية في الدولة. ومساعدة دول الخليج للشرائح الضعيفة مثال على استغلال القدرة الاقتصادية لمواجهة نهوض الوعي بالفوارق والاحتجاجات. وهذا العامل يرتبط بشكل وثيق بفقدان سيطرة الدولة على وسائل الإعلام، كما سيبين لاحقاً.

- 4 العوامل المعرقلة للتغيير السلطوي (القيم الإجمالية: 25)

ضعف المعارضة (القيمة: 8) هل هناك معارضة للحكم موحدة ومنظمة؟ وما قوتها مقارنة بقوة النظام؟

تشهد الانتفاضات في العالم العربي على أن سمات المعارضة تسمح بتوقع فرص استقرار النظام وبقائه. فالانتفاضات التي قادتها معارضة قوية، واسعة وموحدة شكلت تحدياً جوهرياً للنظام على مدى طويل، وحظيت بدعم وشرعية خارجية. وبالمقابل فإن الانتفاضات التي لم تقدها «معارضة ممأسسة» تشكل تحدياً أصغر للنظام. والمعارضة الواسعة في مصر، والتي بدأت كحركة شعبية لشبان ليبراليين وعلمانيين، أفلحت في خلق انتعاش لمعارضة النظام. وانضمام حركة الإخوان المسلمين للاحتجاج الشعبي وسّع حركة الاحتجاج والمعارضة. واستمر النضال حتى بعد الانتخابات التي أجريت في مصر في حزيران 2012 وصعود الإخوان المسلمين للحكم. ومع ذلك، ضعفت قوة المعارضة الليبرالية التي أشعلت الاحتجاج، وتقلص دورها في الحلبة السياسية المصرية. كما أن البحث في إمكانية التدخل الغربي في الحرب الأهلية في سوريا وطابعه يشدد على هذه النقطة: فالمعارضون للتدخل يزعمون أنه خلافا للحالة الليبية حيث كانت معارضة منظمة للنظام، كان بالوسع تقدير أنها ستمسك بخيوط الحكم بعد سقوط النظام وستعيد الهدوء للدولة - فإن المعارضة السورية تتشكل من عناصر كثيرة، مشرذمة ومتنازعة. وهذه الحقيقة تصعب على الأسرة الدولية المساعدة في النضال ضد نظام الأسد. وبسبب أن هذا العامل يمكنه أن يزيد الانتعاش الناجم عن وجود الشروط الأخرى، أو يشكل عائقاً جوهرياً أمام الساعين لتحقيق الثورة، فإنه يحظى بعلامة مرتفعة على قائمة العوامل المعرقلة.

حكم الأقلية (القيمة: 7) هل الحكم بيد مجموعة نخبة من الأغلبية الطائفية، أم بيد أقلية طائفية؟

ويشير فحص الانتفاضات في العالم العربي إلى أنه في الدول الأولى التي تسببت انتفاضاتها في تغيير النظام تونس ومصر - كان الحكم بيد مجموعة تمثل الأغلبية الطائفية والدينية. صحيح أن الحكم في اليمن يستند إلى دعم السكان الشيعة الزيديين الذين يشكلون أقلية، ولكن هذه الطائفة تشكل حوالي نصف السكان. وبالمقابل، فإن عزم الأسد على صد هجوم المعارضة، وكذلك الخشية الدولية من العنف في سوريا بعد سقوط النظام يشهدان على الخشية من احتمال معقول، بأن ينتقم أبناء الطوائف الأخرى من الطائفة العلوية. والعداء بين القبائل في ليبيا كان كذلك بين الاعتبارات التي قادت القذافي للتمسك بكرسيه. فأنصار الحكم من الأقليات يميلون للخشية من فقدان مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية ومن الحملات ضدهم، التي ستنشأ انتقاماً من العنف الذي مارسه النظام لقمع الاحتجاج. من هنا فإن تمسك مجموعات الأقلية بمقاليد الحكم يتوقع أن يكون أشد حزماً، كما في الحالة السورية، من تلك في الأنظمة التي تكلفة التسوية فيها أقل بكثير، كما حدث في مصر وتونس. وبسبب دور هذا العامل في عزم السلطة على قمع الانتفاضات في الدولة، فإنه يحظى بعلامة عالية نسبياً بين العوامل المعرقلة للتغيير السلطوي.

مواجهة الحكم للإعلام الحديث (القيمة: 5) هل يفلح النظام في مواجهة الإعلام بنجاعة؟

تعاملت الأنظمة التي واجهت احتجاجاً شعبياً جارفاً في الشرق الأوسط أيضاً مع استخدام متنوع من جانب المنتفضين لوسائل الإعلام الحديثة الانترنت، وسائط التواصل الاجتماعي وقنوات التلفزيون الفضائي. وخدمت الشبكات الاجتماعية كناقل للرسائل ولتنظيم التظاهرات الكبيرة. بل إن بعض الدارسين بالغوا ووصفوا الانتفاضات بأنها «ثورة الفيسبوك». وتحدث آخرون تحديداً عن القنوات الفضائية، التي عرضت على الجمهور الواسع فساد الأنظمة ونشرت صور الاحتجاج في الدول العربية، وقلصت خوف المواطنين من بطش الحكم. وفي الدول التي أخفق النظام فيها في تحييد نفوذ الإعلام فإن ذلك ساعد في إشعال الاحتجاجات، وتوسعها ونقل صورة قمعها إلى الغرب بهدف تجنيد الدعم للنضال. وهذا حدث في مصر وتونس. ولكن، وخلافاً للزعم الشائع بأن أنظمة الشرق الأوسط لا تدير نضالاً ناجعاً ضد وسائل الإعلام الحديثة، فقد أثبتت الأنظمة في طهران والرياض ودمشق (في المراحل الأولى للانتفاضة ضدها) أن بالوسع بدرجة كبيرة تحييد تأثيرات الشبكات الاجتماعية، واستخدامها في جمع المعلومات، الدعاية والتضليل.

أحداث وطنية صادمة (القيمة: 5) هل الجيل الأخير، خصوصاً الجيل المنتفض، عاش أحداثاً صادمة/ مبلورة؟

وتتردد الشعوب أو الطوائف التي تحفر في ذاكرتها العامة أحداثاً مثل الحرب الأهلية، مجازر النظام أو فوضى اجتماعية، في تأييد الانتفاضات التي قد تقود إلى نتائج مشابهة. وكلما كانت هذه النتائج مدمّرة أكثر وزمن وقوعها أقرب إلى الحاضر، كلما زادت التحفظات من دعم الانتفاضة، وزاد دورها كعامل معرقل للتغيير السلطوي. ومثلاً، الذاكرة الجمعية اللبنانية، العراقية، الفلسطينية، السودانية والجزائرية من الحروب الأهلية الدامية والمدمرة، توضح، ولو جزئياً، الحافز المتدني لسكان هذه الدول في دعم انتفاضة أخرى، ونسب الشرعية المتدنية لقادة المعارضة الساعين لقيادة خطوة في هذا الاتجاه.

إجمالاً، إن توقع تطوّر ونتائج الانتفاضات في الشرق الأوسط يفترض أن يستند على تعامل مع ثلاث حلبات الداخلية، الدولية والاقتصادية، وعلى تحليل التقديرات بشأن هذه الحلبات بالنسبة للعوامل المعرقلة للتغيير السياسي الثوري حكم الأقلية، ضعف وتشرذم المعارضة، ذكريات من أحداث صادمة وتحييد وسائل الإعلام الحديثة على يد النظام. ويعبر الجدول الأول عن هيكل النموذج. كما أن تجسيد النموذج يختبر عبر تحليل أربع حالات: الأولى فحص تاريخي للظروف في مصر عشية ثورة 25 يناير، التي قادت لاستقالة الرئيس مبارك وتغيير الحكم في مصر، عبر تحليل الحالة المصرية بنظرة إلى الوراء. بعد ذلك ستحلل ثلاث حالات من الحاضر: إحداها تعيش حربا أهلية سوريا، والأخريان تحظيان باستقرار سلطوي نسبي السعودية وإيران - رغم وجود بذور الاحتجاج الاجتماعي التي قد تتطور إلى انتفاضة جارفة في هاتين الدولتين.

إن هذه التحليلات تشكل جهداً بحثياً إضافياً لأبحاث أجريت في معهد واشنطن في صيف 2011 أعدت لفحص وتطوير النموذج عبر تحليل أربع حالات: مصر التي كانت حينها في مرحلة متقدمة من عملية التغيير وبالفعل، أشار النموذج إلى نضجها للتغيير. المملكة السعودية التي بدت حينها كالتالي في الدور للتغيير، لكن النموذج توقع لها الاستقرار، وأيضاً ليبيا وسوريا حيث كانت التقديرات معقدة وليست قاطعة. في مرحلة متقدمة من تطوير النموذج، عبر تحديثه وتعديل معايير الفحص، أعدنا النظر في الحالة المصرية.

 

مركز دراسات الأمن القومي

جامعة تل أبيب

آذار 2013

معد الدراسة: 
عاموس يادلين وأفنير غولوب



.
x

حمّل تطبيق زمن برس مجاناً

Get it on Google Play