Jump to Navigation

احصائيات فيروس كورونا في فلسطين

* الأعداد تشمل القدس

 

عدد الاصابات

 

عدد العينات

 

عدد المتعافون

 

عدد الحالات الحرجة

 

عدد الوفيات

 


«القبة الحديدية» فاشلة.. و«الباتريوت» كذلك

بقلم:

تبالـغ «إسرائيـل» وأميركـا فـي الترويـج لفعاليـة القبـة الحديديـة و«الباتريـوت»، وتبيـن فـي الميـدان أن نسبـة نجـاح «القبـة» لا تتجـاوز الخمسـة في المئة، وفق صحيفة «هآرتس»، ونسبة نجاح «الباتريوت»في حرب الخليج هي في حدود الصفر.
بعنوان «كم صاروخاً فعلا اعترضت القبة الحديدية؟»، نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بتاريخ 9-3-2013 مقالاً، تذكر فيه أن التحقيقات التي أجراها ثلاثة أكاديميين كبار أظهرت أن «نسبة النجاح في عمليات الاعتراض التي جرت خلال عملية عمود السحاب منخفضة جداً ولا تتجاوز نسبة الخمسة في المئة».
هذه المقالة تؤيد وجهة النظر في مقالي «القبة الحديدية: الخرافة والفراشة» الذي نشر بعد ايام من حرب غزة، والذي جادلت فيه بناء على أسس نظرية، بأن الدقة وقدرة التوقع، التي يمكن أن يؤمنها العلم، لها حدود نراها في أمثلة مثل محاولة إصابة صاروخ بصاروخ.
الكثيرون شكّكوا بهذا الطرح وبطريقة مقاربتي للموضوع. فصديقي المهندس طلال لم يوافق على فكرة استحالة إصابة صاروخ بصاروخ، ولديه سبب وجيه: لقد شاهد ذلك يحدث بأم عينه. فأثناء إقامته في الكويت خلال حرب الخليج، يروي طلال انه شاهد صاروخ «الباتريوت» يصيب صاروخ «السكود» ويدمره، كما انه شاهد حالات أخرى أخطأ «الباترويت» هدفه أو انفجر بقربه.
والواقع أن تيودوربوستول Theodore Postol، أحد الأكاديميين الذين اعتمدت عليهم مقالة «هآرتس» كان له شهادة أمام «الكونغرس» الأميركي العام 92 يؤكد فيه أن نجاح «الباتريوت» في حرب الخليج كان بالتأكيد أقل من عشرة في المئة، بل إنه من الممكن أن يكون صفراً. علماً أن معيار النجاح، بتعريف بوستول، هو القدرة على تدمير الرأس الحربي للسكود، وليس حرف مساره، وهو معيار مطاط استعملته المؤسسات العسكرية والدعائية الأميركية.
وما رآه طلال، كما يفسر بوستول، لم يكن الا الانفجار الناتج عن الصاعق التقاربي proximity fuze الذي ينفجر عند الاقتراب من الصاروخ، وهو اقتراب كاف لأذية طائرة، ولكن ليس كافياً لتدمير رأس الصاروخ، كما أشرت في مقالي السابق.
كذلك انتقد قارئ عبر تعليق تفاعلي على صفحة المقالة الاكترونية طرحي النظري، مذكراً بأن «الطريقة الأكثر انتشاراً لمقاربة الموضوع تعتمد الحل من وجهة نظر واقعية، فالعدو لا يبحث على نسبة نجاح 100 في المئة بل أن يتمكن من رفعها تدريجياً الى مستويات مقبولة، الى ان يقترب من 90 في المئة او اكثر». ويختم بأن الهدف من كلامه هو»تجنب الغرور بحجة انه نظرياً هناك استحالة نجاح القبة الحديدية، فيجب الاستمرار في ايجاد الافكار الخلاقة من اجل مواجهة اي تحسينات تطرأ عليها».
وهذا التعليق موفق، فهو يميز بين الحل اليقيني Deterministic الذي قلت باستحالته،أي الحل الذي يقارب المئة في المئة، والحل المعتمد على الاحتمالات Probabilistic، وصعوبة الإصابة، التي قلت بها في طرحي، لا تعني شيئاًَ غير ضعف الاحتمال. مما يذكر بنقطة مهمة للغاية، وهي ان العلم لا يعمل فقط في القضايا اليقينية التي يمكنه التنبؤ بها بالكامل، بل ان لديه أيضاً أدوات قوية للعمل مع الحالات التي تحكمها الاحتمالات.
وهنا علينا أن نرجع الى الحرب العالمية الثانية، لنتحدث عن علم نشأ في رحم هذه الحرب بغرض التعامل مع الاحتمالات لإيجاد افضل الحلول الممكنة، وهو فرع من الرياضيات سمي «أبحاث العمليات» (operations research). استعمل الانكليز هذا العلم على نطاق واسع، وكان له أدوار حاسمة من اختيار مكان الإنزال في «النورمندي» الى تشكيل قوافل السفن التي انقذت بريطانيا من الجوع بسبب الغواصات الألمانية.
ومؤخراً صدر كتاب رائع بعنوان (Blackett’s War) يروي قصة تحول هذا العلم من رفاهية غير مرغوبة عند قادة الحلفاء الى صانع القرارات الأهم في الحرب. ويذكر الكتاب ان هذا العلم استطاع تقليص معدل الطلقات اللازمة لإسقاط طائرة معادية من 20 ألف طلقة الى 4 آلاف طلقة فقط. وهذا المعدل يسمى«بنسبة القتل» (Kill ratio)، وهو معيار شائع لتقييم أداء الاسلحة المضادة للطائرات، ما يؤشر الى الطبيعة الاحتمالية لهذه الاسلحة.
لكن محاولة زيادة الاحتمالات ليست بدون سقف، فمثلا عندما طرحت فكرة استعمال مدفعية ثقيلة مضادة للطائرات للتصدي لصواريخ الـV2، ادت حسابات هذا العلم الى استبعاد هذا الخيار. ففي مواجهة الصواريخ التي كانت تنقض على لندن عمودياً من السماء بسرعة 4 مرات سرعة الصوت، وجد العلماء ان نسبة القتل سيئة لدرجة ان الضرر من الطلقات التي لن تنفجر لعطل يصيبها وتسقط على الارض، ستفوق أضرار الصاروخ نفسه.
وهذه الحسابات ما تزال صالحة اليوم لحد كبير. فصاروخ الـV2 النازي الذي صممه فون برون (Von Braun)هو الأب الفعلي لكل الصواريخ، بما فيها الصاروخ «ساتورن» الذي أوصل الانسان الى القمر والذي عمل عليه فون برون نفسه بعدما انتقل الى أميركا. والمثير أن الصاروخ سكود ليس إلا نسخة «مبسطة» عن الـV2 واعتمد فيها ايضاً على العلماء الألمان الذين اسرهم السوفيات بعد سقوط برلين. وعندما أوصل السوفيات القمر الصناعي «سبوتنيك» الى الفضاء، برر الاميركيون تأخرهم في السباق الى الفضاء بأن«الألمان الذين حصل عليهم الروس افضل من الألمان الذين حصلنا عليهم».
طبعاً، الذي يعرف كيف تتطور التكنولوجيا، سيدرك ان التحسن البطيء والمستمر ممكن أن يحوّل ما يبدو مستحيلا الى ممكن بعد فترة. فثلاثون سنة من التطوير على معالجات الحواسيب ادت الى ان تصغر في الحجم وتزداد في السرعة آلاف المرات. فهل يعني ان التحسين المستمر على القبة الحديدية سيؤدي الى إمكانية وصولها الى الفاعلية الكافية لتحقيق أهدافها؟ الجواب هو أن هذا احتمال جدي في حال كان العمل والتطوير من طرف واحد. وأما اذا نظرنا الى المشهد كصراع ما بين مطلق الصاروخ والمتصدي له كطرفين فاعلين ذكيين، يتبادلان الخطوات ليحسن كل واحد شروطه، فإننا سنصبح تحت إطار نظري جديد يدعى «نظرية اللعبة» (game theory)، وهو فرع من علم «أبحاث العمليات». ففي مواجهة التحسينات على القبة، اذا كان الطرف الثاني فاعلا ومنتجاً لأفكار خلاقة، فإن التدهور في فاعلية القبة سيصبح محتملا كما التحسن.
الكثير من الاعتراضات على مقالي السابق ركزت على عدم الحاجة الى هذه الجرعة الزائدة من الكلام العلمي النظري. بالنسبة للكثيرين، كل ما يريدون أن يعرفوه هو فقط اذا كانت القبة ناجحة أم فاشلة.
في الواقع، الفرق ما بين تجميع المعرفة اللازمة لاحتياج عملي محدد والمعرفة الشاملة التي تجمع«حباً في البحث ذاته» على حد تعبير هيرودوتس، هو الذي يميز ما بين مرحلة ما قبل العلم وما بعده. ففي كتابه «حكمة الغرب» (عالم المعرفة، العدد 364) يحاول برتراند راسل أن يفسر لماذا ابتدأ العلم عند اليونان، فيلاحظ انه رغم ان المصريين القدامى امتلكوا المعارف اللازمة لبناء اهرامهم وقياس حقولهم، فإنه كان علينا ان ننتظر في ثاغوروس الذي وضع القواعد الأولية للهندسة المجردة عن أي تطبيق محدد، حتى اصبح بإمكاننا الحديث عن بداية العلم.
لقد بنى البشر منذ آلاف السنين العمارات والجسور، لكن نجاح أو فشل أي بناء كان يعتمد على«شطارة» المعمار. فقط عندما صار هناك اطار نظري للعمارة، الذي هو الرياضيات الهندسية، اصبح ممكناً ان نبني هذه العمارات الحديثة التي لم يكن من الممكن تصورها من قبل، بنجاح شبه مضمون.
ثم إن أي طرح فكري، بغض النظر عن صحته، هو خطوة للأمام. فلنتذكر الجدلية الهيغلية التي استعملها هيغل لتفسير تطور الفكر. فكل فكرة مؤثرة تمر عبر ثلاث مراحل: نبدأ بطرح ما، ثم يأتي طرح مضاد، والنتيجة التي تنتج هي التوليفة بين الطرحين (Synthesis).
ليس النقاش الأكاديمي ترف لا يصلح خارج الجامعات، بل هو أقصر الطرق للحقيقة وأصلبها. فبوستول، الذي هو استاذ الفيزياء في جامعة MIT، استطاع أن يحطم خرافات المؤسسة العسكرية الأميركية الإسرائيلية. اثناء حرب الخليج، وخلال زيارته لمعامل «رايثون»، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أن«الباتريوت قد أعترض 41 من أصل 42 سكود أطلقت». ما بين كلام بوش وكلام بوستول لن يتذكر أحد في الغرب كلام بوش، لأن السياسي هناك رمز الكذب، والأكاديمي رمز الحقيقية ... كم نحن هنا بحاجة أن نتذكر ذلك؟

المصدر: 
السفير

 

.
x

حمّل تطبيق زمن برس مجاناً

Get it on Google Play