Jump to Navigation

احصائيات فيروس كورونا في فلسطين

* الأعداد تشمل القدس

 

عدد الاصابات

 

عدد العينات

 

عدد المتعافون

 

عدد الحالات الحرجة

 

عدد الوفيات

 


مثقفون فلسطينيون في "جنون" الحصار الإسرائيلي صيف 1982

بقلم:

 

يوميّات أمجد ناصر في "بيروت صغيرة بحجم راحة اليد"

عدت بالذاكرة الى 4 آب حين قصفت البوارج الاسرائيلية مبنى جريدة "النهار" يوم ذكراها التاسعة والاربعين – ليس ذلك مصادفة فاستهدافها لاسكات صوتها عمداً وأدى القصف الى التوقف عن الصدور في اليوم الثاني، فتحدثت الاذاعات عن انه مؤشر خطر، ترافق مع تهديدات اسرائيلية – بدأت ممارستها فعلاً في 1 آب – بهدم بيروت على رؤوس ساكنيها. وفي 19 آب عاودت "النهار" صدورها، بعدما توصلت المفاوضات الى الاتفاق على انسحاب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت.

 

أمجد ناصر في كتابه "بيروت صغيرة بحجم راحة اليد" الذي يسجل فيه يومياته خلال حصار عام 1982، بدءاً بالثامن من حزيران وحتى 24 آب، يوم الانسحاب الفلسطيني من بيروت. يكتب في 4 آب "ربما هو الهجوم الكبير الذي نتوقعه. القذائف والصواريخ تنهال على رؤوسنا كالمطر. مطر في عز الصيف البيروتي الخانق. لكنه مطر أحمر، مطر من الجحيم، لم يبق شبر من دون شظية صاروخ او قذيفة. انه شيء لا يصدق. هستيريا رقصة دم مجنونة".

وكانت اسرائيل منذ 1 آب بدأت حرباً تدميرية لبيروت كتب فيه ناصر "أي يوم هذا اليوم؟ انه يوم الدينونة، يوم تزلزل الارض زلزالها وتلقي السماء حديدها المصهور. اليوم زرع الثنائي المجنون بيغن – شارون 200 الف قذيفة في بيروت الغربية".

هذه عينات من الوصف المكتوب بالارتعاش والخوف، وهناك المزيد لمن لا يعرف بيروت صيف 1982، كي يطلع على وجهة نظر من زاوية ضيقة، لأن ما كتب كثير جداً عن احتلال اسرائيل اول عاصمة عربية ولو كانت "بحجم راحة اليد"، كان ارتكاباً فظيعاً منذ الحرب العالمية الثانية، اما نحن فنتذكر ونستعيد لحظات الخوف والألم ونقدر اننا بقينا على قيد الحياة عشوائياً، لأن الموت كان كذلك. ولسان حالنا يردد:

رأيتُ المنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ من تُصِبْ تُمِتْه وَمَن تُخطِئْ يُعَمَّر فَيَهرَمِ

كانت اسرائيل تترصد ياسر عرفات، وحيث تتوقع وجوده، ترمي المبنى بقنبلة "فراغية" فتجعله ركاماً، وكانت بناية عكر في الصنائع احدى النماذج، وقيل إن عرفات كان متوجهاً الى البناية لعقد اجتماع هناك. الرأي العام العالمي كان غائباً كلياً وفي حالة لا وعي.

7 آب عيد ميلاد أمجد ناصر، يكتب: بلغت السابعة والعشرين، عندي احساس بالهرم. فقد رأيت في هذه الحرب ما لم أتصور انني سأراه. ما كنت أتصور اصلاً ان بيروت ستحاصر هكذا. كنا نتصور ان حصار عاصمة عربية هو خط أحمر. ولكن يبدو انه لا وجود للخطوط الحمر في عرف اسرائيل".

جملتان كتبهما ناصر قد تختصران كل المشاعر والمخاوف وكل ما حمله الكتاب من وصف خصوصاً للاحاسيس "الموت، وهو كلمة كنا نكتبها ونلفظها ولا نعرف بالضبط معناها، رأيته بأم عيني. الخوف أيضاً ليس مجرد كلمة إنه حركة عنيفة في الأحشاء".

وفي 24 آب، اليوم الأخير في اليوميات، كتب: "سأخرج، فلم يعد لي ما أفعله هنا... الاصدقاء والرفاق يغادرون. بيروت تفرغ منا، مقر الاذاعة (اذاعة فلسطين) يخوي على عروشه بعدما كان محجاً لكثيرين. لن تسمع فيه الأصوات التي عمرته مرة أخرى... لن أنسى الوجوه التي رافقتني اثناء الحصار الطويل وصنعت ملحمة من المقاومة والصمود والقيم الانسانية النبيلة، الوجوه التي تبسمت وغضبت وخافت وضحكت، ولكنها ظلت مثالاً للكبرياء".

اليوميات تروي قصته ومجموعة من الاشخاص الذين كان على صلة بهم، ما يجعلها يوميات جماعة وليس شخص، تؤرخ مرحلة قصيرة بكل تفاصيلها ومآسيها.

لمن يريد ان يتذكر تلك المرحلة، او لمن لا يعرف عنها شيئاً، توفر له اليوميات وسيلة للمعلومات وتكشف عن خفايا لم يعرفها من لم يكن قريباً من الأوساط الفلسطينية.

ركيزة هذه اليوميات: الملاحظات، المراقبة، التدوينات، وشخصيات تدور على محور يوميات المدينة، التي "تتخذ شكل كتابة سريعة مقتضبة وربما منفعلة ومستطردة، قائمة على الشخصي الذي ينظر الى العام من زاوية مخاوفه واشواقه وهلعه وانفعالاته وغضبه وفرحه وايمانه بالثورة وتساؤلاته عن مآلها".

ثمة صور في الذاكرة لا تمحى "جلس قائد الحرب الاسرائيلية الجنرال شارون ببزته الخضراء وجزمته المغبّرة وراء مكتب الرئيس اللبناني والتقط صورة لتاريخ عربي مهان".

تحافظ اليوميات على نبضها وانفعالها الذي كتبت به تحت جحيم متنقل من القصف وفي جو من الرعب المسيطر، الذي بقي يتسلل أحياناً كوابيس خلال سنوات طويلة.

والشاعر الاردني الذي حمل حقيبة كتف حط به تمرده في بيروت، لذلك جمع في فصل "نصوص من الحصار" شعراً من تلك المرحلة له ولغيره من الشعراء، وفي الفصل الأخير بعنوان "العودة الى الفردوس المفقود" يروي مشاهداته في بيروت بعد أربعة عشر عاماً، بعدما تركها، كما وصفها، "لن يعرف احد كيف تضيق الارض وتتحول السماء الى صفيح ملتهب يلامس الرؤوس ولن يدرك معنى ان تصبح الحياة مجرد مصادفة سعيدة، إلاّ الذين كانوا هناك: في بيروت صغيرة بحجم راحة اليد".

وهي عموماً "رواية" المثقفين الذين آمنوا بالثورة وعملوا لها.

صراع الوجود لم يحسم، ويوميات كثيرة قد تكتب.

 

المصدر: 
النهار

 

.
x

حمّل تطبيق زمن برس مجاناً

Get it on Google Play