Jump to Navigation


السلفية في فلسطين: الخلفيات، الواقع والآفاق

 

بقلم: ماجد عزام

قال محمد بن صالح العثيمين في فتاوى (نور على الدرب): السلف معناه المتقدمون؛ فكل متقدم على غيره هو سلف له ولكن إذا أُطلق لفظ السلف فالمراد به القرون الثلاثة المفضلة: الصحابة والتابعون وتابعوهم. هؤلاء هم السلف الصالح، ومن كان بعدهم وسار على منهاجهم فإنه مثلهم على طريقة السلف وإن كان متأخرًا عنهم في الزمن لأن السلفية تُطلق على المنهاج الذي سلكه السلف الصالح رضي الله عنهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة). وفي لفظ (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي). وبناء على ذلك تكون السلفية هنا مقيدة بالمعنى؛ فكل من كان على منهاج الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان فهو سلفي وإن كان في عصرنا هذا.

بناء على التعريف السابق وعلى المنحى الذي أخذته السلفية على أرض الواقع في العالم العربي والإسلامي يمكن الحديث عن جماعتين سلفيتين أساسيتين في فلسطين: السلفية الدعوية، وهي منتشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة وظهرت منذ ثمانينيات القرن الماضي، والسلفية الجهادية وهي موجودة في غزة فقط وظهرت في السنوات الخمس الأخيرة فقط.

السلفية الدعوية

يعرف أصحاب السلفية الدعوية أنفسهم(1) حسب الشيخ نبيل نعيمي نائب رئيس جمعية القرآن والسنة في فلسطين، رئيس جمعية بيت المقدس، عضو جمعية البحوث العلمية- بأنهم أصحاب نهج معتدل ووسطي وليسوا عناصر متطرفة أو أصحاب ذهنية تدعو إلى العنف، ويعتبرون من يمارس هذا العنف "تكفيريين"، وليسوا من دعاة الدعوة السلفية، وبعيدين كل البعد عن التعاليم والأخلاق الإسلامية التي تدعو إلى التسامح ونبذ العنف وإراقة الدماء.

أما الشيخ جهاد العايش(2) أحد أبرز رموز السلفية في فلسطين ورئيس مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية فقال من جهته: إن أفكارنا قائمة على تحقيق مزيد من الحريات، وتطبيق شرع الله، والنهوض بالوضع الاقتصادي الاجتماعي، وتنمية الأمتين العربية والإسلامية، وتحسين الوضع المعيشي، وتحقيق رفاهية العيش. وأضاف الشيخ العايش: إن هدفنا الأساسي الآن هو العمل على نشر الدين الإسلامي، وتحذير المسلمين من الفساد الذي يحاول الغرب توجيهه لهم من خلال القنوات الفضائية الفاسدة والمخدرات، وغيرها من الأساليب التي تغيب عقول الناس.

وكما نبيل نعيمي انتقد العايش أصحاب الفكر الجهادي كونهم مختَرقين من أجهزة مخابرات وجهات مشبوهة تدفعهم نحو تنفيذ أجندة مظلمة، ويصل العايش إلى حد القول بأن ما يُسمى بالسلفية الجهادية هي تسمية مستحدثة لا أصل لها والسلفي الحقيقي هو من يتبع منهاج أهل السنّة والجماعة، وكل تلك التسميات هدفها الإساءة إلى الإسلام والمسلمين.

إلى ذلك تبدو السلفية الدعوية حذرة جدًا فيما يتعلق بالانخراط أو مقاربة العمل السياسي، حيث يقول الشيخ نعيمي: إن الجماعة لا تدخل المعترك السياسي وتدع ذلك إلى أولياء الأمر من الأمة، ومن هنا "فإننا ننظر إلى الرئيس محمود عباس على أنه ولي الأمر ونحن نطيعه بحسب ما أمرنا الشرع"، وهي نفس وجهة النظر التي تبناها الشيخ العايش مع بعض الاختلاف في التفاصيل. ورغم إشارته إلى أن السلفيين مؤمنون بالعمل السياسي لأنه جزء من الدين الإسلامي ومنهج الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، إلا أنه استبعد تشكيل أي حزب سياسي للسلفيين في فلسطين خلال الفترة القادمة لحاجتهم للمزيد من الوقت للنضوج في المجال السياسي حسب تعريفه.

نظرة السلفية الدعوية إلى الرئيس محمود عباس بصفته ولي الأمر الواجب الطاعة تتبنّى في بُعدها الآخر جفاء وانتقادًا لحركة حماس التي انقلبت على ولي الأمر بما يخالف الشرع الإسلامي، ومن هنا وصف الشيخ نبيل نعيمي العلاقة مع حماس بغير الإيجابية على خلفية الخلاف الفكري في فهم شؤون الدين؛ حيث إن الدعوة السلفية حسب رأيه ترفض أسلوب "العمليات الاستشهادية"، كما ترفض أسلوب الاقتتال والحسم العسكري في الشؤون الداخلية.

صورة أوضح عن المقاربة السياسية للسلفية الدعوية قدّمها أحد أبرز رموزها في غزة وفلسطين رئيس المجلس العلمي للدعوة السلفية في فلسطين الشيخ ياسين الأسطل، الذي عقد -بعد الاقتتال الداخلي في 2007 وسيطرة حماس على السلطة في قطاع غزة- مؤتمرًا صحفيًا عرض من خلاله مبادرة لتقريب وجهات النظر بين فتح وحماس، اعتبر فيها أن الرئيس محمود عباس هو ولي الأمر في البلاد مطالبًا حماس بضرورة التراجع عن الانقلاب الذي نفذته ضد الشرعية –يونيو/حزيران 2007- والارتماء في حضن الرئيس الدافىء بصفته ولي الأمر في البلاد، وكي تُوفِي بالعهد الذي قطعه قادتها أمام الله ثم أمام شعبها، وليستجيبوا بذلك لآهات اليتامى ودموع الأمهات الثكالى. وختم الشيخ الأسطل مؤتمره قائلاً: لنكن معًا يدًا واحدة برأس لا برأسين على الصراط المستقيم جنودًا أوفياء لله ثم لما يقتضيه الواجب في هذه البلاد المباركة فلسطين".

مؤسسات وأطر السلفية الدعوية في فلسطين

يمكن الحديث عن أربعة أطر أساسية للسلفية الدعوية:

الأول: المجلس العلمي للدعوة السلفية
يقدم خدمات اجتماعية، مثل كفالة الأيتام والأُسر إلى جانب الخدمات الصحية إضافة إلى مشاريع أخرى، ويتركز عمل المجلس في غزة، لكنه يقدم أيضًا بعض الخدمات في الضفة الغربية خاصة فيما يتعلق ببناء وعمارة المساجد. ويرأسه الشيخ ياسين الأسطل وهو أحد رموز السلفية في فلسطين، تلقى تعليمه على يد علماء كبار، مثل الشيخ ناصر الدين الألباني والشيخ عبد العزيز بن باز إضافة إلى معلمه الأساسي الشيخ حماد الأنصاري محدث المدينة المنورة.

الثاني: جمعية القرآن والسنّة في فلسطين
يقع مقرها الأساس في الضفة الغربية ويُعتبر الشيخ نبيل نعيمي أبرز رموزها، ويتركز عملها في الجانب الدعوي والجانب الخيري لخدمة الأيتام والفقراء، ولها عدد من المؤسسات في الضفة وغزة من بينها  ثلاث مدارس نظامية في قلقيلية ورابعة في عيناتا، إضافة إلى مدرسة عيناتا السلفية التي أُسست منذ سبع سنوات تقريبًا، وتضم المئات من الرجال والنساء في صفوف منفصلة حيث تقدم لهم دروسًا في العلوم الدينية، إلى جانب مراكز طبية في عدد من مدن الضفة الغربية، وترعى الأيتام في مختلف المناطق الفلسطينية، ورغم إغلاق الاحتلال لعدد من تلك المؤسسات كما مؤسسات أخرى تم إغلاقها في الحملة ضد مؤسسات حماس -صيف العام 2007- إلا أن الرئيس عباس أمر بفتحها مرة أخرى.

الثالث: دار الكتاب والسنّة
نشأت في بداية عقد الثمانينيات أسوة بباقي الجمعيات والجماعات التي تؤمن بالمنهج السلفي، وكانت بداية انطلاقها تحويل ما كان يُعرف في غزة بـ"سينما الحرية" في مدينة خان يونس إلى مكتبة علمية؛ حيث حصلت على ترخيص من السلطة الفلسطينية لإقامة الجمعية التي لها نشاطات إغاثية متنوعة، إلى جانب النشاطات العلمية والدعوية، التي أبرزها الاهتمام بمدارس تعليم الحديث، ورياض الأطفال. وتمتلك الجمعية مشاريع استثمارية ناجحة كالمطابع، والمخابز، ومساكن الإيجار، التي تصب في صالح "الدعوة"، كما يصفها السلفيون، وخدمة لعدد كبير من الأيتام الذين يتقاضون رواتب شهرية منها.

الرابع: جمعية ابن باز الخيرية
أُسست منذ خمس سنوات تقريبًا ويرأسها الشيخ عمر الهمص الذي بات أحد أبرز رموز السلفية في قطاع غزة، وتقوم كباقي الجمعيات الأخرى بتقديم خدماتها الخيرية للمحتاجين، إلا أنها تقوم كذلك بإقامة معسكرات صيفية للأطفال والطلاب لتعليمهم العلوم الشرعية –السلفية-. ورغم أنها تعتبر نظريًا من مؤسسات السلفية الدعوية إلا أن جهات فلسطينية عديدة ومن بينها بعض الأجهزة الأمنية في حكومة حماس تعتبرها أقرب إلى السلفية الجهادية منها إلى السلفية الدعوية.

السلفية الجهادية في فلسطين

السلفية الجهادية هو مصطلح أُطلق منذ نهاية الثمانينيات على بعض جماعات الإسلام السياسي والتي تتبنى العمل المسلح منهجًا للتغيير، وبرزت كتيار فكري مميز في عهد السادات. يعلن هذا التيار أنه يتبع منهج سلف المسلمين وأن الجهاد أحد أركانه، وأن الجهاد الذي يجب وجوبًا عينيًا على المسلمين يتم تطبيقه ضد العدو المحتل وضد النظام الحاكم "المبدّل للشريعة الإسلامية" ويحكم بالقوانين الوضعية، أو النظام المبالغ في الظلم والقهر. فهي الجماعات أو الأفراد الذين حملوا فكرة العمل المسلح ضد الحكومات القائمة في بلاد العالم الإسلامي أو ضد الأعداء الخارجيين، وحملوا فكرًا محددًا يقوم على مبادئ "الحاكمية" وقواعد "الولاء والبراء" وأساسيات الفكر الجهادي السياسي الشرعي المعاصر كما هو مفصل ومعروف في أدبياتهم.

يعتبر تيار السلفية الجهادية نفسه تيارًا مطبقًا للمنطق الإسلامي الصحيح المستقى من القرآن والسنة والإجماع، متمثلاً في العقيدة وفقه الجهاد، وفقه السياسة الشرعية في الحكم والتعامل مع المحتل والمبدّل للشريعة، فهو يرى أن التغيير بالقوة هو أنسب وأصح الوسائل للتحرر وتحكيم الشريعة وتصحيح البنية الأساسية الدينية والاجتماعية والسياسية(3). السلفية الجهادية التي تؤمن بالقواعد الفكرية السابقة تملك أيضًا نظرتها الخاصة إلى الصراع في فلسطين؛ وكما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الناشط السلفي أبي محمد –سبتمبر/أيلول الماضي- فإن القضية الفلسطينية تستوجب شدّ الرحال لفلسطين والجهاد بالمال والنفس واللسان لأن اليهود يحتلون بيت المقدس التي ستعود منها الخلافة معيدًا إقبال الشباب على السلفية إلى كونها تمثل برأيهم الشريعة والسلف الصالح.

صورة أوضح عن الرؤية السلفية الجهادية في السياق الفلسطيني قدمها الناشط والقيادي السلفي الفلسطيني محمود طالب(4) (17إبريل/نيسان2011) الذي قال: "نحن نؤمن بأن الجماعات الإسلامية التي تدخل الانتخابات والمجالس التشريعية هي جماعات بدعية، نبرأ إلى الله من أفعالها، كما نؤمن أن العلمانية على اختلاف راياتها ومسمياتها وأحزابها هي كفر بواح مخرج من الملة، ونؤمن أن الحاكم بغير ما أنزل الله وطائفته المبدلين للشريعة هم كفار مرتدون، والخروج عليهم بالسلاح والقوة فرض عين على كل مسلم، ونؤمن أن الديمقراطية فتنة العصر، تكرس ألوهية المخلوق وحاكميته، وترد له خاصية الحكم والتشريع من دون الله، فهي كفر أكبر مخرج من الملة، فمن اعتقدها بمفهومها هذا أو دعا إليها أو ناصرها أو حكم بها فهو مرتد، مهما انتسب إلى الإسلام، وزعم أنه من المسلمين. وبالتالي فإن إقامة الإمارة الإسلامية وعد سيتحقق". أما القيادي السلفي أبو عبد الله المهاجر(5) فأكد من جهته في حديث لصحيفة الشرق الأوسط –أكتوبر/تشرين الأول الماضي 2012- على الهدف الأساس للسلفية الجهادية في فلسطين والمتمثل بإقامة الإمارة الإسلامية قائلاً: "نحن دومًا نخطط لإقامة شرع الله في الأرض، وهذا فرض وواجب على كل مسلم، ومشروعنا قائم بإذن الله، وسيأتي اليوم الذي يحقق فيه المجاهدون مشروعهم".

جماعة السلفية الجهادية تعد حديثة العهد في فلسطين، ولم تظهر إلا من خمس سنوات تقريبًا، وتتركز بالكامل في قطاع غزة ولا يكاد يكون لها وجود في الضفة الغربية نتيجة القبضة الأمنية القوية للسلطة الفلسطينية، كما للاحتلال الإسرائيلي، ومن أبرز تنظيماتها جيش الإسلام، وجيش الأمة، وجماعة التوحيد، والجهاد، وأنصار الله. علمًا بأن هذه الجماعات توحدت منذ عام تقريبًا في إطار فضفاض سُمي مجلس شورى المجاهدين في بيت المقدس.

يمكن الإشارة إلى خمسة أسباب رئيسية ساعدت على ظهور السلفية الجهادية في غزة:

  • أولها: مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية وسعيها للانخراط في المنظومة السياسية الفلسطينية، بما في ذلك منظمة التحرير ما اعتُبر برأي السلفيين اتباعًا لوسائل علمانية، وتبنيًا للأسلوب الديموقراطي في الوصول للسلطة ما يتعارض مع الأسس الشرعية والفكرية التي تستند إليها السلفية الجهادية.
  • الثاني: يتمثل في التهدئة التي سادت قطاع غزة بشكل شبه متواصل –مع فترات تصعيد متقطعة- منذ وصول حماس إلى السلطة في يناير/كانون الثاني 2006، وهو ما وضعه السلفيون الجهاديون في سياق تخلي حماس عن خيار المقاومة وتكرارها لتجربة حركة فتح، وتقاعسها عن واجب الجهاد في مواجهة الممارسات الإسرائيلية وتحديدًا الاستيطانية والتهويدية في القدس بشكل خاص والضفة الغربية بشكل عام.
  • الثالث: يتعلق بالحصار الذي فرضته إسرائيل ضد غزة، حتى الحرب الأخيرة –نوفمبر/تشرين الثاني 2012- وعمدت من خلاله تل أبيب إلى التحكم بكل ما يدخل غزة أو يخرج منها، وسعت إلى إدخال الحد الأدنى من المواد الغذائية والوقود؛ بما يحول دون انفجار الوضع أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وفي نفس الوقت يمنع غزة من ممارسة حياتها بشكل طبيعي في الأبعاد والمناحي المختلفة؛ ما خلق حالة من الفقر والبطالة والعوز بدت مثالية تمامًا لنمو وانتشار الأفكار السلفية الجهادية.
  • الرابع: يتعلق بالانقسام الفلسطيني باعتباره أحد أسباب نمو الحركات السلفية الجهادية، خاصة أن البعض وضعه في سياق الصراع على السلطة، والذي أدى إلى تفشي التطرف في صفوف فئة من الشباب شعرت بالغبن والظلم وهو ما يفسر وجود أعضاء سابقين من حماس وفتح في صفوف الجماعات السلفية الجهادية المختلفة.
  • الخامس: يتمثل بصعود تنظيم القاعدة في السنوات العشر الماضية وانتشار أفكاره ولو بشكل متفاوت في العالم العربي، وميل شريحة -ولو محدودة- من الشباب لأسلوب القاعدة بوصفه النموذج المناسب لمواجهة الهيمنة الأميركية والغربية واستطرادًا الإسرائيلية على المنطقة.

الأساس الشرعي الفكري الذي استندت إليه السلفية الجهادية، إضافة إلى العوامل الخمس التي ساعدت على ظهورها وانتشارها، أدى بالضرورة إلى علاقة مضطربة مع حركة حماس وسلطتها في غزة، وعمومًا فقد مرت العلاقة بين الطرفين بثلاث محطات أو مراحل، علمًا بأن المرحلة الرابعة لم تتضح معالمها بعد ولكنها تخدم بالتأكيد حركة حماس،  خاصة بعد الأجواء التي نتجت عن حرب غزة وساهمت في تكريس قوة وحضور الحركة السياسي داخليًا وخارجيًا أيضًا.

في البداية لم تأخذ حماس حركات السلفية الجهادية على محمل الجد، ورغم مبادرة هذه الأخيرة طوال عامين تقريبًا (2008-2009) إلى حرق وتدمير بعض محلات الكمبيوتر والحلاقة النسائية، وحتى بعض المرافق الأجنبية مثل المدرسة الأميركية أو حتى المعسكرات الصيفية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا، إلا أن حماس أصرت دائمًا على أن هذا من عمل أفراد وجماعات هامشية وضعيفة تفتقد إلى الترابط التنظيمي والمؤسساتي ولم تتعامل معهم من الزاوية الأمنية مفضلة الأساليب الفكرية والدعوية.

غير أن إعلان الشيخ عبد اللطيف موسى -أبو النور المقدسي- أمير جماعة "التوحيد والجهاد"، عن إقامة إمارة إسلامية في مدينة رفح -منتصف أغسطس/آب 2009- استجلب ردّ فعل قاسيًا من حماس وصل إلى حد محاصرة موسى ومرافقيه في أحد مساجد المدينة ثم تدميره إثر اشتباكات واسعة استمرت ساعات عدة وأدت إلى مقتل أربعة وعشرين شخصًا بينهم موسى نفسه، إضافة إلى إصابة عشرات آخرين.

هذا الحادث دفع حماس للقيام بحملة اعتقالات واسعة في صفوف السلفيين، حتى الدعويين منهم، والتضييق على حركتهم ومساجدهم وأماكن تجمعاتهم بالتوازي مع حملات دعوية مكثفة لإقناعهم بالتخلي عن الفكر التكفيري الضار والمدمر.

المحطة الثانية في العلاقة بين حماس والسلفية الجهادية تمثلت باختطاف ثم إعدام فيتوريو أريغوني الناشط الإيطالي المتعاطف مع القضية الفلسطينية –إبريل/نيسان2010- على أيدي أفراد سلفيين بعضهم كان منتميًا لحماس في السابق، ورغم نأي السلفية الجهادية بنفسها عن الجريمة إلا أن البيان الذي أصدرته آنذاك حمل في طياته تهديدًا واضحًا لحماس وتحذيرًا من المضي قدمًا في ملاحقة السلفيين والتضييق عليهم".

بعد حادثة أريغوني شهدت العلاقة بين حماس والسلفية الجهادية شدًا وجذبًا، مع استمرار الملاحقات والاعتقالات بحقهم بين صعود وهبوط ما دفع هذه الأخيرة إلى تغيير تكتيكاتها والانخراط في المقاومة ضد إسرائيل عبر إطلاق الصواريخ ضد المستوطنات المحيطة بغزة لتحسين شعبيتها وسط الجمهور الفلسطيني، والأهم إحراج حماس وإظهارها بمظهر المهادن، وحتى الحامي للاحتلال الإسرائيلي عبر الحفاظ على التهدئة ومنع المقاومة من تنفيذ العمليات ضده، ورغم قلة عددهم واستخفاف حماس بهم لدرجة أن نائب رئيس المكتب السياسي لحماس وصفهم -في حديث لصحيفة الوطن المصرية- بأنهم حمولة باص وربما أقل إلا أنهم استفادوا من التغيرات في مصر بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 ونسجوا علاقات جيدة مع نظرائهم في سيناء –أنصار بيت المقدس في سيناء- وشرعوا في تنفيذ العمليات بشكل مشترك إن عبر إطلاق الصواريخ أو من خلال تنفيذ عمليات على الحدود المصرية الفلسطينية؛ كما جرى في 18 يونيو/حزيران الماضي عبر عملية استهدفت وحدة لجيش الاحتلال كانت تحرس مجموعة من العاملين على بناء جدار أمني على الحدود المصرية الفلسطينية، العملية التي أدت إلى مقتل أحد العمال الإسرائيليين وإصابة آخرين، تبناها مجلس شورى المجاهدين في بيت المقدس عبر نشر شريط فيديو على موقع يوتيوب يُظهر المراحل المختلفة لها من التدريب والمراقبة إلى التنفيذ مع إهداء لافت لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.

هذه العملية أدت إلى استهداف تل أبيب المكثف وطوال شهرين تقريبًا لمجموعات السلفية الجهادية بحجة تخطيطهم واستعدادهم لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية عبر شبه جزيرة سيناء للتملص من قبضة حماس الأمنية في غزة إلى أن وقعت عملية معبر كرم أبي سالم -5 أغسطس/آب الماضي- التي استهدفت نقطة للجيش المصري على الحدود المشتركة مع غزة والأراضي المحتلة عام 48 -إسرائيل- ونتج عنها مقتل جميع عناصرها تقريبًا -16 جنديًا- ما أدى إلى استهداف شبه منسق للجماعات السلفية في سيناء من قبل الجيش المصري وغزة من قبل حماس؛ التي قامت بعمليات تمشيط واعتقال مكثفة بحق السلفيين ومن بيت إلى بيت حسب تصريح القيادي السلفي أبي عبد الله المهاجر لصحيفة الشرق الأوسط .

شهدت الفترة التي أعقبت العملية استهدافًا إسرائيليًا مركزًا للمجموعات السلفية شملت عمليات اغتيال بحق قادتها وعناصرها، كتلك التي طالت هشام السعيدني -أبو الوليد المقدسي- في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، علمًا بأنه خلف الشيخ عبد اللطيف موسى في إمارة جماعة "التوحيد والجهاد" ويُعتبر أيضًا أحد القادة المؤسسين لمجلس شورى المجاهدين في بيت المقدس؛ ما دفع المجموعات السلفية للرد عبر إطلاق الصواريخ ضد المستوطنات والتجمعات السكانية الإسرائيلية المحيطة بالقطاع.

والآن وبنظرة إلى الوراء لا يمكن أبدًا تجاهل تأثير السلفيين الواضح -إضافة إلى أسباب أخرى طبعًا– في إنهاء التهدئة التي سادت منذ عدوان الرصاص المصبوب -نهاية 2008- واندلاع الحرب الأخيرة التي أسمتها إسرائيل عامود السحاب واستمرت لأسبوع تقريبًا من 14 إلى 21 من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي .

آفاق السلفية في فلسطين

السلفية الدعوية: لا أعتقد أنها ستغير من نهجها وهي التي تمسكت دومًا بما اعتبرته طريقها الصحيح والمناسب،  ورغم حدوث متغيرات عاصفة في فلسطين من الانتفاضة الأولى التي شهدت انطلاقة حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى حربي غزة مرورًا باتفاق أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية والانتفاضة الثانية التي أدت إلى الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من القطاع الساحلي ظلت السلفية الدعوية متمسكة بنهجها الدعوي السلمي وعدم التدخل في العمل السياسي مع طاعة أولي الأمر دائمًا.

السلفية الجهادية: دحض الربيع العربي أحد الأسس الفكرية المهمة للسلفية الجهادية، وأثبت إمكانية التغيير والوصول للسلطة عبر الوسائل السلمية وصناديق الاقتراع، كما أن انخراط الجماعات السلفية في الحياة السياسية في دول الربيع العربي سينال حتمًا من جماهيرية القاعدة والتنظيمات المتماثلة فكريًا معها. أما حرب غزة الأخيرة، فخرجت حماس منها منتصرة أقلّه في الجانب السياسي؛ حيث تضمن اتفاق التهدئة المكتوب والذي جرى التوصل إليه برعاية مصرية سياسية، وليست فقط أمنية، بنودًا نصّت صراحة على تخفيف الحصار وفتح المعابر وتسهيل حرية الحركة للمواطنين والبضائع، وعمومًا فإن تزايد قوة حماس وتأثيرها السياسي فلسطينيًا وحتى إقليميًا، ورفع الحصار عن غزة أو تخفيفه بدرجة ملموسة، وانطلاق عملية إعادة الإعمار القطرية سيؤديان حتمًا إلى تحسين الوضع الاقتصادي الاجتماعي وتراجع معدلات الفقر والبطالة ما يعنى تجفيف ينابيع أساسية، غالبًا ما اعتمدت عليها الحركات السلفية لزيادة قوتها ونفوذها.

وباختصار قد تستطيع السلفية الجهادية القيام بعملية هنا أو هناك ولكنها لن تستطيع تحدي حماس أو تشكيل بديل مقنع وذي مصداقية لها، وهي بالتأكيد لن تتحول إلى رقم صعب أو حتى جدي في المعادلة الفلسطينية التي ما زال العامل الوطني هو الغالب والمسيطر عليها.
_________________________
ماجد عزام - مختص بالشأن الفلسطيني

المصادر
1- الموقع الإلكتروني القدس، 21 مايو/أيار2011.
http://www.alquds.com/news/article/view/id/267473
2- وكالة سرايا الإخبارية، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2012.
3- المصدر السابق.
4- معا برس، سلفية جهادية، 12حزيران/يونيو 2012
http://www.maanpress.com/arabic/?action=detail&id=70
5- حديث لصحيفة الشرق الأوسط، تشرين أول/اكتوبر 2012.

 

 المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

معد الدراسة: 
ماجد عزام



.
x

حمّل تطبيق زمن برس مجاناً

Get it on Google Play