Jump to Navigation

احصائيات فيروس كورونا في فلسطين

* الأعداد تشمل القدس

 

عدد الاصابات

 

عدد العينات

 

عدد المتعافون

 

عدد الحالات الحرجة

 

عدد الوفيات

 


ملفّات "مدفونة" في ارشيفي "الموساد" و"الشاباك"

 

بقلم: رونين بيرغمان
رافق موشيه تسيفر طيلة حياته شعور فظيع. ينبغي عدم الاستخفاف بمعاناة من نشأ وهو يعلم أن أباه هجر أمه حينما كانت حاملاً به في الشهر الرابع، وهرب إلى أميركا اللاتينية، حيث استقر مع أموال صرفها باحتيال في إسرائيل وتنكر لعائلته وللطفل المولود. نشأ تسيفر ليصبح عاملا اجتماعيا يحيا حياة هادئة في عزلة مع عائلته في أحد الاماكن المرتفعة في الجليل الأعلى. وهو رجل دمث الخُلق لكنه منطوٍ ايضا ومحلق شيئاً ما؛ وقد ترك تاريخه الشخصي المؤلم آثاره في وجهه.
قبل ست سنوات حينما كان في الـ 51 من عمره جئت إليه بالنذير المُر الثاني. قال لي وهو دامع العينين: "كانت الضربة الثانية أشد إيلاما بكثير". قلت له إن أباك لم يستقر في أميركا اللاتينية لأنه لم يكن هناك قط. كان الكسندر إيبور – اسرائيل ضابطا في سلاح البحرية تورط في ديون وهرب من البلاد تاركا وراءه زوجته متيلدا أم تسيفر حاملاً به. وعلم "الموساد" أنه يحاول أن يبيع واحدا من الملحقين العسكريين الأجانب في روما وثائق سرية. اختطف في باريس في عملية معقدة وتم تنويمه ووضع في صندوق كبير ونُقل جواً إلى إسرائيل كي يُحاكم محاكمة سرية هنا على قضية تجسس خطير. أُعدت له زنزانة خاصة سرية في سجن الرملة (أيلون) وهو أحدث السجون، كان قد افتتح قبل ذلك بسنتين وحصل هناك على لقب السجين "إكس". هل يُذكركم هذا بشخص ما؟.
تشوشت الخطة حينما أخطأ الطبيب المنوم من "الموساد"، يونا أليئين، في تقدير وجبة التنويم الذي حقن به إسرائيل ومات في طريقه إلى البلاد. وبأمر من رئيس "الموساد" أقلعت الطائرة مرة اخرى وألقى اثنان من رجال وحدة العمليات التابعة لـ "الشاباك"، التي أدارت العملية، جثة اسرائيل في البحر. وغرس "الشاباك" في الصحف أنباء توهم بأنه استقر في أميركا اللاتينية. وجُمعت لجنة المحررين لإسكات عدد من الصحافيين بلغتهم معلومات مُدينة. وخلصت لجنة التحقيق السرية التي نشأت في القضية الى الاستنتاج بان الجميع عملوا كما ينبغي ودُفنت القضية في أرشيف "الموساد" و"الشاباك" إلى ان سرّب لي شخص ذو ضمير القصة التي فجرتها "يديعوت احرونوت" في أيار 2006.
منذ ذلك الحين لم تسكن نفس تسيفر المعذبة. فقد تاب إلى الله، وهو يعمل عملا تطوعيا في عدة مجالات. وبدأ في موازاة ذلك معركة قضائية ضد الدولة طالباً أن يُكشف له عن كل وثائق القضية. "أتوجه إليك بطلب شخصي"، كتب إلى رئيسي "الشاباك" و"الموساد"، "ساعدني من فضلك على حل لغز حياتي... يؤسفني أن أمي لم تعد موجودة هنا كي أستطيع التخفيف عنها. ويُخيل إلي أنه قد حان الوقت لتُقال لي الحقيقة بعد 52 سنة".
سيكون من الصعب المبالغة في وصف الجهود التي بذلتها الدولة وما زالت تبذلها الى اليوم كي لا يعلم تسيفر الحقيقة. فقد جُندت إجراءات قضائية صارمة ومواقف لا هوادة فيها، ومجموعات كبيرة من المحامين والاجراءات السرية متعللين بأمن الدولة، حيث جُندت كلها كي تُبقي هذه القضية سرية. وقد مات أكثر المشاركين في القضية منذ زمن. ودُفن نحاميا مئيري، وهو من كبار رجال العمليات في "الموساد" على مر الزمن وآخر أناس الفريق الأحياء من تلك الطائرة، في مقبرة يركونيم قبل أسبوعين. يُخيل إلي أنه يصعب حتى على ممثلي الدولة ان يزعموا بجدية ان الحديث يدور عن قضية سرية تعود للعام 1954. بقيت فقط الوصمة الفظيعة في تاريخ الجماعة الاستخبارية التي يجب حمايتها كي لا تخرج الى الخارج.
"مر أكثر من يوبيل وكأن شيئا لم يتغير"، قال، هذا الاسبوع الشخص، الذي سرّب إليّ قصة جثة الكسندر اسرائيل المطروحة على أثر نشر قضية بن زغيير التي يعرف تفصيلاتها لا من وسائل الاعلام فقط. يمكن أن نجد خطوط تشابه غير قليلة بين القضيتين: فهناك رجل من الجهاز الأمني اشتُبه به أنه سلّم أخفى الأسرار إلى جهات أجنبية، وسبب تجنيدا عاما لاعتقاله، وجيء به الى اسرائيل بسرية شديدة كي يُحاكم على افعاله، لكنه لقي حتفه في ظروف غير طبيعية قبل ذلك. وبذل جهازا الامن والقضاء في هاتين القضيتين جهدا كبيرا لاخفاء القصة بسبب طبيعة المعلومات التي كانت عند الراحلين. وفي حالة النقيب اسرائيل كان الذي رفع علم الشك ضابط الشيفرة في سفارة اجنبية في روما كان ايضا جاسوسا لـ "الموساد". أما في حالة بن زغيير فستخبرنا الايام بعد.

سري جداً، وغامض جداً
هل كانت تقديرات أمن الدولة وحدها أمام نواظر أرباب الاستخبارات الاسرائيلية في العام 1954 حقا – كحال الأرباب الحاليين في السنين الثلاث الاخيرة – حينما بذلوا جهدا كبيرا جدا لمنع نشر القضية؟ هل ربما كان في ذلك ايضا شيء من الرغبة في منع الحرج والوصمة والفضيحة العامة؟ انه من الطبيعي والمفهوم ان يريد كل واحد مهما يكن من رجاحة العقل ان يفخر بالنجاحات ويضائل الاخفاقات.
من المؤكد ان كثيرين سيقولون إن تلك كانت اياما مختلفة، وانه ينبغي ألا تُقاس واقعة على اخرى، وانه هنا في قضية زغيير كان يمكن ان يحدث ضرر فظيع حقا. ويمكن في المقابل ان يتم الزعم بان هذه القضية ستبدو بعد بضع سنين كوطء قاس لا داعي له على حقوق الانسان، وان الفرق الجوهري الوحيد بينها وبين قضية اسرائيل هو انه كان يمكن في العام 1954 في الحقيقة وقف نشرها والحديث في العصر الحديث عن مسألة وقت فقط، وقت قليل، الى ان تخرج هذه الأمور الى الخارج.
حدّثني بعضهم في منتصف العام 2010 عن "السجين إكس" في سجن الرملة. قلت: "أعرف القصة. وهي قصة كبيرة تحتاج الى كتاب باسلوب جون لا كاره". وقال ذلك الشخص إن هذا إكس جديد وقصة خطيرة جدا. وبالغ هذا الشخص في تفصيلات القضية التي بدت بعد ان سمعتها منه شديدة الخطر حقا وصورت الشخص الذي في السجن على أنه وغد كبير قد تفضي أفعاله الى موت أناس.
كان من الواضح لي في تلك المرحلة انه لا يوجد ما أفعله في هذه القصة. فهي سرية جداً وغامضة جداً والاشتغال بها سيثير علينا الغضب، وسيتم وقفه أصلا من قبل الرقابة. ومن الجدير بالذكر انه توجد في قضية زغيير أجزاء يحسن السكوت عنها، حيث يجب حماية حياة بعض الناس. وليس من المؤكد من الجهة الثانية انه كان يجب من اجل هذه القيم ان يُعامل على هذا النحو من العنف يفضي به الى ان يفعل شيئا فظيعا جدا.
سمعت بعد ذلك ببضعة اشهر أن ذلك السجين انتحر قبل إنهاء محاكمته. وغير ذلك قوانين اللعب وأوجب نشر القضية، لأنه لا توجد ايضا سبيل لابقاء قضية كهذه سراً وليس ذلك من الاخلاق ايضا. وبرغم ان هذا يلائم كتاب توتر، كان واضحا لي ان الحديث لا يدور عن مؤامرة مُحكمة وانه لا أحد ساعد على الانتحار. ومن جهة ثانية شعرت بأنه لا يوجد في مصلحة السجون، التي لها تجربة سيئة مع أعمال الانتحار، دافع زائد للفحص عن القضية. وفكرت في ان جهات الاستخبارات تحصر عنايتها في الجوانب العملياتية من القضية وان مصير من تراه خائنا يكون أقل أهمية.
بادرنا (بموازاة جمعية حقوق المواطن وجهات اعلامية اخرى) الى التوجه الى المحكمة (بطلب قدمه رفيقنا يورام يركوني) في محاولة لمضاءلة السرية المضروبة على القضية. وطرحتنا رئيسة المحكمة اللوائية في المركز، هيلا غارستل، جميعاً عن الدرج.
تُبين سلسلة أنباء نشرت في الخارج ان نشاط زغيير تركز بالعمل مع جهات إيرانية. وحسب النبأ الذي نشر في "الغارديان" – ويقتبس من الصحافي الاسترالي جيسون كاتسوكيس الذي سكن في اسرائيل زمنا ما ويسكن في بيروت اليوم (لكنه يأتي للزيارة في أزمان متقاربة) – ان كاتسوكيس حصل، سنة 2009، من شخص ما (ذي صلات بعالم الاستخبارات) على أسماء ثلاثة اسرائيليين يمتلكون جوازات استرالية. وكان الثلاثة بحسب النبأ المنشور نشطاء في شركة وهمية انشأها "الموساد" في اوروبا، باعت ايران معدات الكترونية، وجُند الشباب الذين أُرسلوا للتجسس في إيران بوساطتها.
"كان يبدو هذا في البداية غير حقيقي"، قال كاتسوكيس لصحيفة "الغارديان"، "لكنني نجحت في التحقق من ان الشركة قائمة، ونجحت في التحقق ايضا من ان زغيير وواحدا آخر من الثلاثة عمل لصالحها. ولم أنجح في التحقق من اسم الثالث. وقيل لي ايضا ان السلطات الاسترالية تضيق الخناق على زغيير بل انه ربما يُعتقل".
وتذكر الصحيفة ان جهاز الامن العام الاسترالي بدأ التحقيق في صلات الاستراليين الثلاثة بـ "الموساد" قبل اغتيال المبحوح في دبي بنصف سنة حيث استُعملت هناك جوازات استرالية. وبيّن كاتسوكيس ان زغيير أثار ارتياب السلطات حينما غير اسمه اربع مرات. وذكر الصحافي: "تبين لي ايضا انه طلب رخصة عمل في ايطاليا".
في شباط 2010 حينما توجه كاتسوكيس الى زغيير، سأله عن علاقاته بـ "الموساد" وزعم ان عنده علما يقول انه استعمل جوازه الاسترالي كي يزور سورية ولبنان وايران، ورد زغيير في غضب وقال ان كل ذلك هراء. وهو من جهة ثانية لم يقطع المحادثة الهاتفية. "بدا في الحقيقة مذهولاً حقا لكنه أصغى الى ما قلته". ويؤكد كاتسوكيس ان زغيير أنكر جميع الشبهات التي أثارها ورفضها آخر الامر حينما اتصل مرة ثانية. لكن هل يمكن ان يكون انكشاف زغيير للصحافيين والسلطات الاسترالية هو الذي عُد خيانة في نظر "الموساد"؟.
تعتقد السلطات في ايران انه من الصعب على "الموساد" ان يعمل في الدولة لأنه يوجد فيها قوات شرطة واستخبارات قوية جدا تستعمل القبضة الحديدية ضد معارضي السلطة، ولا تنفر من أشد الوسائل عنفا. وزعمت جهات ايرانية رفيعة المستوى في وسائل الاعلام هناك ان اسرائيل خصصت موارد ضخمة كي تُجند عملاء على ارضها وهم ايرانيون يخرجون من اجل اعمال الى خارج الدولة ويعودون اليها، أو سياح ورجال اعمال من الغرب يدخلون اليها من اجل العمل.
حسب أنباء أجنبية يقوم "الموساد" على نحو عام باعمال عنف لا يقوم بها إلا اسرائيليون، أي ينفذها مواطنو اسرائيل الذين يعملون بصورة دائمة في "الموساد" لا عملاء جُندوا في الدول المستهدفة. ومع ذلك، وحسب أنباء اجنبية نشرت كان صعبا أو غير ممكن تقريبا لعملاء "قيصاريا"، وهو قسم اعمال التخريب والاغتيالات من المنظمة، أن يدخلوا ايران خشية ان يتم كشفهم لأن وقوع عميل واحد في غرف تحقيق الحرس الثوري يعتبر في اسرائيل لا يقل عن كارثة استراتيجية.
إذا كانت هذه الامور صحيحة فهناك حاجة الى الاستعانة ايضا بجهات اخرى تنفذ اعمال جمع المعلومات أو الاغتيالات. ويعتقد الايرانيون ايضا أنهم نجحوا في ان يعتقلوا ويُحاكموا بعض اولئك العملاء ممن أدلوا بشهادات – بعضهم أمام المحاكم وبعضهم أمام التلفاز. وحسب تلك الشهادات جُند عدد من العملاء "تحت علم مختلق"، أي دون ان يعلموا أنهم يعملون من اجل "الموساد". وحسب تلك الشهادات، يستعمل مُجنِدو العملاء تغطية أجنبية كي لا يعتقد المجندون أنهم يعملون من اجل "العدو الصهيوني". بالإضافة الى ان الايرانيين احتجزوا في سنة 2010 و2011 عدة مرات سياحا ومتنزهين بزعم أنهم جواسيس لـ "الموساد".

جهاز التنصت في القبو
حاول جسم جمع معلومات استخبارية اسرائيلي ان يتساءل في الاسابيع الاخيرة منذ عُلم هنا بالتحقيق الذي أخذ ينضج في شبكة "إي.بي.سي" الاسترالية، كيف عرفوا القضية؟ وهذا هو السؤال غير الصحيح، وهو يُبين ايضا مثل خطوات كثيرة قام بها جهاز الامن في القضية عن فروق مقلقة بينه وبين الواقع الاتصالي والعام في العالم.
السؤال الصحيح هو كيف لم تتسرب القصة قبل ذلك، لأنه يوجد قبر في استراليا؛ وتوجد عائلة متألمة وذاهلة في استراليا؛ وفي 2010 كان زغيير، الذي جهد في تغيير اسمه مرة بعد اخرى، مستهدفا من أذرع فرض القانون في استراليا، التي اشتبهت فيه انه يعمل في خدمة "الموساد"، بل بلغت المعلومات صحافيا توجه اليه في هذا الشأن؛ وأنباء في "واي نت" أُزيلت بعد ساعات طويلة؛ ويوجد غير قليل من الناس الذين يعرفون أجزاء من القضية على الأقل، وغير ذلك كثير.
أثارت الاذاعة القريبة من التحقيق أمواجا ارتدادية في الجماعة الاستخبارية كلها، لكن الاسابيع الطويلة التي سبقت نشر الأنباء لم تُستغل في عملية فعالة لمضاءلة الضرر المتوقع. وتقرر في سلسلة مباحثات أُجريت انه يجب فعل كل شيء واستعمال جميع الوسائل القضائية والقانونية، بما فيها أمر بحظر نشر معلومات مكشوفة خارج البلاد، كي لا تُنشر أجزاء من القضية في مصادر اسرائيلية. وكان المبدأ الموجه هو ان مجرد النشر في وسيلة اعلام هنا يثبت صحة الأمر (ويُشتق من هذا المبدأ تمسك الرقابة باملاء "بحسب مصادر اجنبية" فيما يتعلق باعمال لا تعترف اسرائيل بها).
رُفضت الاصوات في تلك المباحثات (التي جاءت خاصة من جهات الرقابة) وزعمت انه لن يمكن وقف تيار المعلومات، وانه يفضل أن ندع التحقيق الاسترالي يمر من فوق رؤوسنا جميعا ولا نوليه اهتماما. وهكذا تحولت سلسلة الاسكات الى عصا مرتدة خطيرة: فقد تسرب تشديد سياسة حظر النشر واستعمال الرقابة العسكرية والجمع العاجل لرؤساء تحرير وسائل الاتصالات فورا الى الخارج.
قارن شخص خدم في الماضي في أمن الميدان، وهو خبير بتاريخ الرقابة العسكرية، هذا الاسبوع، محاولة الابقاء على قضية زغيير سرية حتى بعد اذاعة التحقيق في التلفاز الاسترالي، بقبو بيت سوكولوف: "كان لنا هناك قبل اربعين سنة جهاز تنصت على خطوط هواتف الصحافيين الاجانب. كانوا يتصلون من بيت سوكولوف بأسر التحرير في الخارج، وكنا نجلس ونصغي الى المكالمات من القبو. وفي كل مرة كان يُخيل إلينا ان الصحافي يتحدث فوق المطلوب. كنا ندخل في الخط ونصيح به كي يكف. واذا لم يساعد ذلك كنا نقطع المحادثة ايضا. والذي بادر الى هذه الخطوات، هذا الاسبوع، اعتقد انه ما زال في ذلك القبو وما زال يسيطر على كل خطوط الهاتف من إسرائيل الى الخارج".
من اجل ان نفسر البواعث العملياتية من وراء الاصرار على السرية تم استلال الاختراع الذي أوجده بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي وهو الجمع الطارئ للجنة المحررين. وكان مبدأ بن غوريون تحلية المعلومات السرية مع رؤساء وسائل الاعلام وان يحصل منهم مقابل ذلك على امتناع عن تغطية تلك القضية. بيد ان مجرد نشر خبر جمع رؤساء التحرير زاد في قوة رقصة الأشباح. يقول صحافي اجنبي رفيع قديم في اسرائيل: "في اللحظة التي رأينا فيها انهم استدعوا رؤساء التحرير أدركنا ان التحقيق الاسترالي جدي ويتناول قضية شديدة الخطر حقا. واذا كنا قد تحيرنا حتى ذلك الحين هل نشتغل بالقضية أم لا فان الجمع العاجل لرؤساء التحرير حررنا من الحيرة وأدركنا انه يجب علينا ان نتابع الأمر متابعة قوية".

حيوان لا يمكن إشباعه
وُجد في الماضي غير قليل من الافكار وأوراق العمل التي أُعدت حول مسألة هل يُعين لـ "الموساد" متحدث مثل وحدة الاعلام التي تعمل لصق مكتب رئيس "الشاباك" منذ أكثر من عشر سنوات بنجاح كبير. وفي كل مرة أُثير فيها هذا الأمر سقط، أو كما يقول مائير دغان رئيس "الموساد" السابق "خلصت الى استنتاج ان هذا الحيوان لا يمكن إشباعه".
لـ "الموساد" تجربة غنية جدا مع الاعلام – استعمال حملات تشهير، وتضليل وحرب استخبارية مع غرس معلومات منتقاة في وسائل اعلام في الغرب والبلاد العربية واستعمال وسائل الاعلام لدفع أهدافه قدما، وليست المعلومات كلها كاذبة. بالعكس، فوسائل الاعلام في الغرب تنشر معلومات كثيرة دقيقة في جزء منها أو بصورة كلية عن المشروع الذري الايراني. لكن هذه التجربة هي من الطرف الثاني الذي يبادر الى النشر. وفي كل مرة تضطر فيها الجماعة الاستخبارية الى مواجهة نبأ منشور في الخارج، أي لا يخضع للرقابة العسكرية، تكون النتائج ضئيلة جداً.
حتى لو لم يُنشر أمر المباحثات مع رؤساء التحرير فان أرشيف السنين الثلاثين الاخيرة يُبين انه في كل مرة حاولوا فيها ان يمنعوا بالقوة نشر قضايا من هذا القبيل، كانوا يجعلونها أكبر كثيراً. وهذا ما كان في قضية فعنونو حينما حاولوا ان يُخفوا حقيقة انه معتقل في اسرائيل بعد ان اختطفه "الموساد" في ايطاليا.
وهذا ما كان في قضية عامل "الموساد" المبتدئ أوستروفسكي الذي كان يوشك ان ينشر كتابا عن المنظمة، ورفض رفضا قويا سحبه، حتى حينما عُرضت عليه تعويضات مالية حسنة. وقد أوصى موشيه لفين (كوكلا)، وهو من كبار المغتالين في "الموساد"، رئيس "الموساد"، شبتاي شبيط، بقتل أوستروفسكي، واقترح آخرون اختطافه الى اسرائيل. وقبل شبيط توصية أمنون غولدنبرغ وبادر الى اجراء قضائي ضده في كندا والولايات المتحدة. وطيّر القضاة الدولة عن الدرج كله وكان مجرد استعمال الإجراء برهانا على انه كان في "الموساد" حقا.
ولم تكن محاولة منع نشر الاعتقال السري ليوسف عميت، العامل في وحدة استخدام العملاء 504، بسبب تجسس من اجل الولايات المتحدة، أفضل لأن هذه المحاولة لم تُفضِ إلا الى مزيد اهتمام بالقضية.
حاول جهاز الامن في العام 2001 ان يُبقي اجراء دبّره ضد "يديعوت احرونوت" طالبا حظر نشر أجزاء متطابقة بين قضية منبار وقضية رون أراد، أن يُبقيها سرا، وأثار مجرد إتيان رئيس "الموساد"، افرايم هليفي، إلى المحكمة اللوائية في تل ابيب ومنع نشر الاعداد الصحافية موجة اشاعات وجعل المعلومات التي أراد إخفاءها (وهي موت اثنين من عملاء "الموساد" في فيينا في 1992) تطفو الى أعلى.
وفي آذار 2001 اختفى العميد اسحق يعقوب (ياتسا) من فوق الأرض. فقد جاء لزيارة اسرائيل وكان يفترض ان يخرج للاستجمام في تركيا، لكنه لم يصل الى هناك. فقد اعتقلته الشرطة و"الشاباك" في مطار بن غوريون وتم تحويله الى تحقيق شديد السرية لشهور طويلة، بسبب مقابلة صحافية أجراها معي تطرق فيها ايضا الى المشروع الذري الاسرائيلي. وقد كان آنذاك "السجين إكس". وضجت البلاد بالاشاعات التي كان بعضها آثما متعمدا وقالت ان يعقوب اعتقل بشبهة انه جاسوس روسي.
وكما هي الحال في قضية بن زغيير وألون وبوروز، كانت محاولة الابقاء على القضية سرا آنذاك محكومة بالفشل. فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" أجزاء منها بصورة بازة، وهو ما جذب اليها انتباها كبيرا وحولها من جدل صغير فيما يجوز أو لا يجوز لمسؤولين سابقين نشره، الى نقاش تعدى الحدود والمحيطات في الغموض الذري الاسرائيلي. وما زلنا لم نقل شيئا في قضية عنات كام.
فشلت الجماعة الاستخبارية مرة بعد اخرى في فهم تحقق رؤيا مارشال ماكلوهان عن القرية العولمية. فقد امتنع "الموساد" بسبب خصومات داخل المنظمة عن طلب مساعدة اولئك الذين يفهمون في وسائل الاتصالات ومن وزارة الخارجية.
يصعب ان نفهم كيف يمكن ألا يكونوا تعلموا في النيابة العامة و"الموساد" من قضايا سابقة حاولوا في كل واحدة منها كبح الأنباء المنشورة؛ فحصلوا على اهتمام دولي شديد جدا بها. وكيف لم يفهم أحد أنه يتم بهذه الطريقة خاصة الإضرار بالأسرار العملياتية التي يحاولون حمايتها كثيرا. ولماذا لم يكبح رئيس الوزراء المسؤول عنهم، والذي يفهم شيئا ما في الاعلام، جماحهم ولم يقل لهم "هالو، هالو لسنا في ستينيات القرن الماضي". وسيضطر شخص ما في المستويات العليا الى الاجابة عن جميع هذه الاسئلة بعد (وفي اثناء) اضطرار جهة ما الى تقديم أجوبة عن جملة الاسئلة الصعبة جدا التي تثيرها قضية زغيير في الشؤون العملياتية والقضائية.

  يديعوت

 

فريق عمل زمن برس

فريق عمل زمن برس مكون من عدد كبير من المتخصصين في كتابة الاخبار السياسية والاقتصادية و الرياضية و التكنولوجية الحصرية في موقعنا. ويعمل فريقنا على مدار 24 ساعة في اليوم لتزويد الزوار بأحدث و أهم الأخبار العاجلة و الحصرية في الموقع، بكافة أشكال الانتاج الصحفي (المكتوب، المسموع، المصور) كي تصل المعلومة للمتابعين كما هي دون أي تدخل من أحد.
  • Website
  • Google+
  • Rss
  • Youtube
.
x

حمّل تطبيق زمن برس مجاناً

Get it on Google Play