من خطة "الحسم" إلى التهجير الشامل: قراءة في خطاب سموتريتش الجديد

زمن برس، فلسطين: يدخل الخطاب السياسي الإسرائيلي مع بتسلئيل سموتريتش مرحلة أيديولوجية جديدة، تحمل طابعًا "انقلابيًا" يتجاوز المفاهيم التقليدية للأمن والمناورات التكتيكية، ليصل إلى أفق "الإحلال" الوجودي.
وفي خطابه الأخير أمام قادة المستوطنات في مستوطنة "بسغوت"، لم يكتفِ سموتريتش بتقديم تحديث تقني لرؤيته، بل أعلن عن تحول بنيوي في البرنامج السياسي للحكومة الإسرائيلية. ولم يعد التهجير مجرد أداة عقابية ضد النخبة المتمردة، بل أصبح استراتيجية ديمغرافية واسعة تستهدف الوجود الفلسطيني ككل.
ويمثل هذا الخطاب تطورًا استراتيجيًا جوهريًا مقارنة بـ "خطة الحسم" التي صاغها سموتريتش قبل دخوله الحكومة، فبينما كانت تلك الخطة تركز على حسم المعركة ميدانيًا عبر توسيع الاستيطان وتخصيص التهجير للفلسطينيين الرافضين للتنازل عن طموحاتهم القومية فقط، أعلن سموتريتش الآن أن التهجير أصبح خيارًا مطروحًا لجميع الفلسطينيين في الضفة الغربية. هذا الانزياح يعكس تحولًا جذريًا من خطة حزبية محددة إلى سياسة حكومية شاملة وموحدة تستهدف كافة السكان.
كشف سموتريتش أن أهداف الحكومة المقبلة تتجاوز "إدارة الصراع" إلى "تصفية آثاره" نهائيًا، عبر الإلغاء الرسمي لاتفاقيات أوسلو وفرض "السيادة" الكاملة
ويشير هذا التحول إلى ما يمكن تسميته بـ "شمولية الاستهداف". فبينما كانت الخطة السابقة تحصر التهجير في فئة محددة، جاء خطاب "بسغوت" ليعمم هذه السياسة على الفلسطينيين دون استثناء. وهذا التغيير المنهجي يقطع مع أوهام "التعايش"، معتبرًا أن "السيادة" الإسرائيلية لا تتحقق بالأمن وحده، بل عبر إتاحة خيار الهجرة لجميع الفلسطينيين، وإعادة هندسة الواقع الديمغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة بالكامل. ويأتي هذا ضمن برنامج حكومي يهدف لتحقيق طموح قومي صريح.
وتشكل "وثيقة الحسم" التي طرحها سموتريتش عام 2017 الأساس الفكري لهذا التحول. فهي تنفي أي حق فلسطيني في تقرير المصير غرب نهر الأردن، وتعتبر الأرض مخصصة حصرًا لـ "الشعب اليهودي". وبموجب هذه الوثيقة، يتم الحسم عبر مسارين: الأول "حسم استيطاني" لفرض واقع يمنع إقامة دولة فلسطينية، والثاني تقديم بدائل للفلسطينيين بين البقاء كأفراد بحقوق محدودة أو الهجرة، مع حسم أمني صارم للرافضين. لم تعد هذه الوثيقة مجرد نظرية، بل تحولت إلى برنامج عمل يسعى لتفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية وتقليصها إلى مجرد إدارة شؤون يومية لسكان تحت إشراف دائم.
وعند مقارنة هذا التوجه بـ "خطة إيغال ألون" لعام 1967، تتضح الهوة التاريخية بين عقلية الأمن السابقة وعقلية "الخلاصية" الحالية. فبينما قامت خطة ألون على "العقلانية العملية" التي تترك الكتل السكانية الكبرى للإدارة الذاتية لتجنب "القنبلة الديمغرافية"، تهدف خطة سموتريتش إلى تصفية الوجود الفلسطيني بالكامل. في نظره، لم يعد السكان مجرد خطر ديمغرافي، بل عقبة مكانية يجب تذويبها أو إزاحتها لتحقيق "نقاء السيادة" المطلقة.
وفي مستوطنة "بسغوت"، كشف سموتريتش أن أهداف الحكومة المقبلة تتجاوز "إدارة الصراع" إلى "تصفية آثاره" نهائيًا، عبر الإلغاء الرسمي لاتفاقيات أوسلو وفرض "السيادة" الكاملة. ويعكس هذا انتقال اليمين الصهيوني من الضم الزاحف إلى الضم العلني، حيث يسعى سموتريتش لإغلاق قوس حل الدولتين، وتحويل الضفة إلى جزء لا يتجزأ من "إسرائيل" عبر إجبار ملايين الفلسطينيين على اختيار "الرحيل كبديل عن حياة بلا هوية وبلا حقوق".
ولا تقتصر "خطة الحسم" على الاستيلاء على الأرض وحشر الفلسطينيين في مناطق "أ"، بل تستهدفهم أيضًا كسكان عبر إدخالهم في أزمات اقتصادية خانقة تدفع الجيل الشاب تحديدًا للهجرة. وتنص الخطة على تحطيم الدورة الاقتصادية بتطبيق مبدأ المحاصرة؛ فمن جهة يتم خصم عائدات الضرائب (المقاصة) لإضعاف السلطة ماليًا، ومن جهة أخرى يتم منع العمال من العمل داخل الخط الأخضر، مما يؤدي لتحطيم الشريحتين الأوسع اقتصاديًا داخل المجتمع الفلسطيني بالضفة.
وتُنفذ هذه الخطة بشكل منهجي داخل أروقة الكنيست والوزارات عبر تشريع قوانين تقضم خزينة السلطة وتستبدل العمالة الفلسطينية. حيث تمت المصادقة على تقليل الاعتماد على العمال الفلسطينيين بقطاع البناء، وإلغاء رسوم تصاريح العمال الأجانب لزيادة حصتهم. وهذه خطوة استراتيجية تهدف لتعزيز القطاعات الحيوية الإسرائيلية مع الاستغناء التام عن الفلسطينيين، استكمالًا لمخطط الإزاحة الشاملة.
ويرى منظرو اليمين الاستيطاني أن تنفيذ مخطط "التهجير" يتطلب حذرًا تكتيكيًا لتجنب ردات الفعل الدولية والميدانية "العنيفة". لذا يفضلون المضي فيه تحت مسمى "تشجيع الهجرة الطوعية" وعلى نار هادئة. وتعتمد هذه الرؤية على الرهان على الأزمات المعيشية المتلاحقة، وإدامة الضغط الاقتصادي برفع وتيرته تدريجيًا. ويعتقد هؤلاء المنظرون أن السبب الرئيسي الذي حال دون هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية نحو الدول المحيطة بعد عام 1967 هو تفوق مستوى المعيشة في الضفة وقطاع غزة آنذاك مقارنة بالجوار.
ومن هنا، تسعى الاستراتيجية الجديدة لقلب هذه المعادلة، عبر تحويل الواقع الفلسطيني إلى بيئة طاردة تفتقر لأدنى مقومات الاستقرار. بحيث يرى الفلسطيني أن الأوضاع الاقتصادية في الدول المحيطة باتت أفضل من واقعه، مما يدفع الأجيال الشابة للبحث عن مستقبلها في الخارج تحت وطأة الحاجة والضغط الممنهج.




