إسرائيل ومعضلة التأرجح بين القوة والضعف
إسرائيل ليست في حالة سلم مع أي من الدول والشعوب المحيطة بها، بل هي في حالة حرب دائمة. اختارت هذا الدرب وتكيفت معه كونه يصب، حتى هذه اللحظة، في عمق مصالحها الاستراتجية. يومياً تثبت إسرائيل فعلاً وقولاً حقيقة عدوانيتها، من يعتقد غير ذلك يخدع نفسه ويعطي الفرصة لكي تستقوي عليه أكثر وأكثر. بشكل دائم هنالك اعتداءات عسكرية، سياسية، اقتصادية، جغرافية، اجتماعية ودينية على كل ما هو فلسطيني وعربي.
تقوم بهذا بدون أن تبدي أدنى اهتمام إن كان هنالك سلام أم لم يكن. تتصرف بالشكل التالي لأنها تعتقد أنها الطرف الأقوى. ارتكاب إسرائيل للكثير من الأفعال الشنيعة، بدون تلقي ردة فعل حازمة، جعلها تقتنع بأن من يقف امامها هو أكثر من مجرد حمل وديع، وأنها هي فقط سيدة الموقف في حالة الحرب والسلم وفي حالة اللاحرب واللاسلم.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل حقاً إسرائيل دولة قوية كما تصور نفسها وكما يتصورها الغير، أم العكس، دولة ضعيفة ويجب التعامل معها من هذا المنطلق. هذا السؤال يفرض طرح استفسار آخر ذو شطرين، الأول ما هي المقومات التي تسمح بالاعتقاد بأن هذه الدولة قوية فعلاً، وبالتالي من الأفضل تجنب مواجهتها. الشطر الثاني، ما هي النقاط البديلة التي يمكن أن تثبت أن هذه الدولة ضعيفة، وبالتالي يجب استغلال هذه النقاط لكي يتم تقليم اظافرها وتعديل سلوكها.
أياً كان ذلك، ما يجب وضعه نصب العين هو أن قوة وضعف إسرائيل مرتبطان بوضع وسلوك الدول المحيطة بها. هي فعلاً من يشعرها بقوتها، وهي فعلاً من يمكن أن يجعلها تكتشف حقيقة حجمها الطبيعي. مقولة ان قوة دولة إسرائيل في ضعف الغير، تعبر حقاً عن جدلية علاقة القوة والضعف بين اسرائيل والعرب. إذا أخذ فعلاً قرار قلب المعادلة، لن ينفع إسرائيل حينها أي من مقومات القوى التي تملكها، بما فيها العسكرية، التي لن يتم التطرق لها بعمق، لأننا نعتقد بأن هذا النوع من القوة، رغم أهميته الفائقة، هو جزء مكمل وتحصيل حاصل للوضع العام، وأن قلب التوازن في هذا الشأن مسألة إرادة وعمل.
في حالة إسرائيل يمكن القول بأن مقومات القوة تتركز في كونها دولة قائمة بذاتها وبذكائها، دولة تتمتع بديناميكية عالية وبمؤسسات رسمية فاعلة، بما فيها الجيش. رغم ما يمكن أن يبدو من تفاوت، هنالك علاقة تماسك اجتماعي وتناغم سياسي داخلي محوره صراعها مع الآخر. وهي عضو كامل الفاعلية في معظم المحافل الدولية، بما فيها الرياضية، وترتبط بعلاقة شراكة استراتيجية متفاوتة مع قوى بعينها، الولايات المتحدة، دول المجموعة الأوروبية وأخرى تدور في فلكها. هذه الدول هي حاضنتها الطبيعية وهي مصدر اساسي لقوتها المادية، وقد تمكنت بشكل تدريجي من الارتباط بعلاقة مصالح مع قوي مميزة، مثل روسيا، الصين والهند، بعد أن كانت هذه الدول ترتاب مبدئياً من التقرب منها خوفاً على مصالحها. كل ذلك أعطى إسرائيل دفعة كبيرة من الثقة والمقدرة على الحركة. على مستوى آخر، استطاعت إسرائيل اختراق كافة التكتلات السياسية والاقتصادية الناشئة بين دول أمريكيا اللاتينية والقارة الأفريقية، التي سابقاً كانت تظهر حساسية فائقة تجاه أي دولة تمارس الاحتلال والقمع ضد أي من الشعوب المصنفة ضمن قائمة العالم الثالث. لقد عززت إسرائيل موقفها السياسي والاقتصادي من خلال تنويع وتعميق علاقاتها الخارجية.
ما سجلته إسرائيل من تقدم في كافة المجالات والمستويات يحسب لها. فعلت ذلك ضمن إطار استراتيجية متكاملة وهادفة للدفاع عن مصالحها العليا، ولتسجيل نقاط ضد كافة حكومات المنطقة، المنشغلة في معظم الاحيان بالدفاع عن مصالحها الفئوية، والمكرسة معظم الطاقات الوطنية، الطبيعية والبشرية، لخدمة هذه المصالح ولإشباع اطماع وغرائز عابرة لا تصب في الصالح العام. بفضل ذلك استغلت إسرائيل عنصر الزمن واستطاعت بشكل تدريجي من التفوق على كافة الدول التي نافستها سياسياً، اقتصادياً وعسكرياً. وقد وظفت بجدارة فائقة كافة الامكانات المالية والإعلامية الكامنة بالداخل والخارج.
التركيز على بعض من ثوابت القوة لا يعني أن إسرائيل لا تعاني من نقاط ضعف جسام، بلا، وهي كثيرة ومتداخلة ويمكن استغلالها في أي لحظة من لحظات الصراع معها. نقصد هنا أساساً وبالتحديد نقطة الضعف المعنوية، التي سيسلط عليها الضوء بشكل خاص، وتليها الجغرافية والديمغرافية. النقطة الأولى المعنوية، التي تجعل إسرائيل في وضع متأرجح دائم، مرتبطة بوجودها في محيط قوي فعلياً وضعيف عملياً. هذا المحيط يمقتها ويرفضها تماماً، وعلى قناعة بأنها تأسست نتيجة ظروف استثنائية مضادة. هذا الفكرة، المتأصلة في الوعي العام، تخلق عند اليهود عامة حالة أقرب للشك من اليقين، مفادها أن وجود دولتهم وجود شكلي وعارض، وهذا يجعلهم يعتقدون بأنه إذا سنحت الفرصة فستتم إعادة صياغة مفاهيم ونوعية هذا الوجود. وهم على يقين بأنه حال ذلك لن يحمي إسرائيل أحد ولن تستطيع هي حماية نفسها مما هو قادم. رغم ما سجلت من إنجازات، هنالك اعتقاد داخل وخارج إسرائيل مفاده أن دولتهم ستبقي دائماً على المحك، لكونها أسست حسب قرارات سياسية مجحفة، عبر حروب عسكرية غير متوازنة وقبول دولي وإقليمي قسري، بالمختصر المفيد، الكل يعلم أن إسرائيل أنشئت بالعنوة وبشكل غير طبيعي.
استمرار هذه الفكرة وحالة التأرجح الناتجة عنها ستبقى قائمة طالما هنالك عملية انكار لحقيقة الآخر، وخلل في معايير العلاقة التي تربط إسرائيل بالدول والشعوب المحيــــطة بها. فعلا إسرائيل تعاني في هذا الشأن من معضلة لا تعانيها أي دولة أخرى حديثة التكوين. بمعنى، ليس هنالك دولة بالعالم مشكك في وجودها وبقائها مثلما هو حاصل معها، هذه الفكرة متأصلة حتى داخل المجتمع اليهودي. لسنا هنا بصدد تحديد الاسباب الآخرى المرتبطة بهذا التشكيك، التي تناولها مقال لي بعنوان ‘شرعية دولة فلسطين ونزع الشرعية عن إسرائيل’، فقط نقول بأن ما هو متداول عقلياً وقانونياً، هو أن ما بني في نظر الآخر على باطل يبقى بمخيلته باطلا. بالتالي القبول الإلزامي بهذا الباطل لا يجعل منه أمرا شرعيا، خاصة إن كان الطرف الآخر مصمما على رفضه ودحره يوما ما.
إن كانت المقومات المادية العامة تمد إسرائيل بقوة لا يستهان بها، فالعنصر المعنوي، إذ تم استغلاله بأنجع السبل، فسيكون المرجعية الصلبة التي يمكن أن تنطلق على اساسها عملية إعادة هيكلة وصياغة دولة إسرائيل، خاصة في بعدها الاستعماري. القيادات الفكرية والسياسية الإسرائيلية على يقين من إمكانية حدوث ذلك عاجلاً أم أجلاً، لذا تراهم فائقي الحساسية تجاه من يتلفظ، يشكك، يشخص أو يتعمق في تحليل وضع ودور دولة إسرائيل مستقبلياً. من يتجرأ ويفعل ذلك، أكان من زاوية نقدية حيادية، يتهم فوراً من قبل هؤلاء ومن يسير بفلكهم بمعاداة إسرائيل كدولة، السامية كجنس واليهودية كديانة.
على المستوي الجغرافي، يمكن القول بأن إسرائيل دولة ضعيفة لأنها ضيقة المساحة والأفاق، ليس لها عمق استراتيجي حقيقي، وما الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة سوى عمق زمني افتراضي يمكن أن يلتوي ويتعقد حال تبدلت الأمور. ليس هنالك شعب بالعالم أعلم من الشعب اليهودي في ما يتعلق بتبدل الظروف، البلاد والنفوس. من المؤكد أن تجربته التاريخية علمته أن صديق اليوم يمكن أن يصبح عدو الغد، والعكس صحيح، خاصة إذا كانت العلاقة القائمة يوما ما تضر بالمصالح الذاتية، إضافة لذلك ورغم ما يمكن أن يبدو ظاهرياً، ليس بين إسرائيل والدول النائية تداخل وترابط جغرافي، وما هو قائم لتعبئة هذا الفراغ، من قواعد عسكرية وأساطيل بحرية، لا يمكن أن يحل المشكلة نهائياً، ولا يمكن أن يكون بديلا حقيقيا للعمق الجغرافي المتواصل.
هنالك كثير من الحوافز الاقتصادية، السياسية، وحتى الاجتماعية والدينية، التي لو وظفت بشكل مناسب فسوف تقلب الأمور رأساً على عقب في علاقة القوة والضعف مع دولة إسرائيل. امكانية ذلك تعتمد على مقدرة الآخر على خلق علاقة مصالح بديلة مع تلك التي تربط إسرائيل بالقوى العالمية. حال وجد البديل، فليس من المستغرب أن تتخلى هذه القوى عن دعم إسرائيل. في عالم السياسية، قيمة المصالح والفوائد هي التي تحدد نمط ووتيرة العلاقات المتبادلة، اذا تم ذلك فسيحدث قفزة نوعية في هذه الشأن خاصة، فسيكون هنالك شأن وكلام آخر في علاقة ومفاهيم قوة وضعف إسرائيل. في هذه الحالة سيفقد العمق الجغرافي الإسرائيلي قدرا كبيرا من صلابته، وسيجعل إسرائيل تكتشف حقاً أنها عارية وأن لها حجما وعمقا محدودي النطاق جغرافياً وعسكرياً.
على المستوى الديمغرافي، نقطة الضعف الأساسية تتعلق بالتركيبة النوعية للشعب اليهودي، فهو شعب مخــــتلف الأجناس والأعراق. من الممكن أن تكون قيــــمة وتأثير هذا الجانب أكثر أهمية من الجانب الكمي، الذي قياسياً ملامحه واضحة وجلية للجميع، فقـــــط يمكن القول ان التركيبة السكانية برمتها هي نقطة ضعف إسرائيلية دائمة. وسوف تظهر أهميتها حال دارت الدائرة.
في ما يتعلق بالتركيبة النوعية خاصة، كلنا على دراية بأن هذه التركيبة غير متجانسة فعلاً وأنها تبدو حالياً عكس ذلك لأنها تستمد قوتها وتماسكها النسبي من كون إسرائيل تعيش فترة قوة، سلام ورغد اقتصادي. حال تغيرت الحيثيات وتم التركيز عليها، بهدف استغلالها واختراقها، فمن غير المستبعد أن يحدث خلل تام بهذه التركيبة، ما هو دارج بالفكر اليهودي، وناتج عن تجذر ثقافة الهجرة والهجرة المضادة، هو الاعتقاد بوجود طريق ذي افاق مفتوحة باتجاهين مختلفين، واحد ذهاب وآخر اياب. من غير المستبعد أن يختار ويسلك كثير من اليهود الذين ارتحلوا للمنطقة خط الهجرة المعاكس، خاصة إن لم تكن مواتية الظروف السياسية والاقتصادية التي ضمنتها لهم الدولة خلال مرحلة معينة. كثير من اليهود يشعرون بأن لهم جذورا فكرية، تاريخية واجتماعية بدول أخرى، بما فيها العربية. من الممكن أن يحن هؤلاء لجذورهم الأصلية، خاصة إذ استشعروا بأن ليس لهم صلة قوية تربطهم بالدولة البديلة، نظرة مبسطة لمختلف موجات ‘العليا’ اليهودية تسمح بتأكيد هذا الاستنتاج.
كافة النقاط المطروحة في شأن ضعف وقوة دولة إسرائيل تجعل منها دولة متأرجحة أكثر من كونها دولة ثابتة، قائمة ومستقرة، بل يمكن القول ان مستقبل إسرائيل سيعتمد على ذلك وعلى سلوكها العام، خاصة العسكري، وعلى امكانية وضع وتنفيذ العرب لاستراتيجيه متكاملة هدفها قلب كافة موازين القوى وإعادة الأمور لنصابها التاريخي، الجغرافي، السياسي، الثقافي، الاقتصادي، الاجتماعي والديني. حال تم التعامل بنجاح مع كل بند من بنود هذه الاستراتيجية لن يبقى أمام إسرائيل سوى خيار التأقلم بسلام وبشكل إرادي مع المحيط الذي اختارت أن تعيش فيه، ما يعني الرضوخ لواقع هذا المحيط. تجسيد ذلك ليس سوى مسألة وقت ومجهود، لآن كل الدلائل التي نعلمها وتعلمها القيادات في إسرائيل تشير الى أن تعادل موازين القوى الكامنة بدأ يأخذ مساره الطبيعي منذ حين، وبالتالي لا يمكن ايقافه رغم كل العراقيل التي تظهر أو توضع يوماً هنا ويوماً هناك.





