Jump to Navigation

عن "حماس" و"الإخوان" ومصر..!!

بقلم:

للوهلة الأولى يبدو للناظر من بعيد أن وضع حماس في مصر على ما يرام. وقعت هناك ثورة أطاحت بنظام مكروه، وصعدت إلى سدة الحكم، في القاهرة، جماعة ترى فيها حماس الشجرة الأم. وفي هذا السياق جاءت زيارات، وأدخلت على المعبر مع غزة تسهيلات، وأُطلقت تصريحات، وبدا للناظرين أن زمن التمكين لا يكف عن بث البشارة والسرور والعلامات.
لا بأس. هذا على السطح، أما في العمق، وقريباً من السطح، وعلى السطح نفسه في الآونة الأخيرة، فإن الأمور ليست على ما يرام. والسبب أن موضوع حماس دخل على خط الأزمة في الصراع السياسي الدائر بين الحكّام الجدد في القاهرة والمعارضة. ولا يهم ما إذا كانت حماس قد دخلت بمحض إرادتها، أو أُدخلت. المهم أنها أصبحت على خط التماس بين قوى متصارعة.
في الصحافة، وأجهزة الإعلام المصرية أسئلة وتساؤلات واتهامات. وهذه أشياء لا يمكن التحقق من صحتها، إلاّ عن طريق تحقيقات رسمية، وأحكام قضائية. وإذا ثبت أن بعضها على الأقل صحيح؛ ستجد حماس نفسها في ورطة حقيقية، ليس مع الدولة المصرية وحسب، ولكن مع الشعب المصري، أيضاً.
وإذا لم يثبت ما يُقال فإن عليها استخلاص الدروس المناسبة، لأن تحالفها مع الجماعة الحاكمة في القاهرة لا يمنحها حصانة خاصة، ولا يحررها من أعباء الصراع على هوية الدولة والمجتمع بين قوى مختلفة في مصر، طالما ظلت محسوبة على أحد طرفي الصراع.
هذا الكلام ضروري بشكل خاص، لأن الفلسطينيين، على مدار عقود طويلة، دفعوا ثمناً باهظاً قبل اكتشاف ضرورة ألاّ يكونوا جزءاً من مشكلة داخلية في هذا البلد العربي أو ذاك.
وإذا شئنا اختزال الكلام في هذا الموضوع، وبقدر ما يتعلّق الأمر بمصر، فإن الأنفاق على جانبي الحدود تمثل مشكلة حقيقية للدولة المصرية. لا توجد دولة في الكون يمكن أن تتساهل مع أنفاق تديرها جماعات غير نظامية، وتُستخدم في تهريب السلاح والبضائع، دون حسيب أو رقيب. وحتى، في أفضل الأحوال، مع وجود حسيب ورقيب لا تكتسب الأنفاق شرعية خاصة، ولا تحظى بالاعتراف.
الحدود تندرج في باب السيادة، وهي حد من حدود الأمن القومي، ليس في مصر وحدها بل في كل مكان آخر، أما إذا تكلمنا عن مصر، فإن مصر تواجه مشكلة أمنية في سيناء، وحتى الآن لم تتضح كل معالم الصورة وكل وجوه اللاعبين هناك، ومع ذلك هذه المشكلة تهدد الأمن والاستقرار على امتداد الأراضي المصرية وليس في سيناء وحدها.
وفي السياق نفسه، مصر محكومة بالتزامات دولية فرضتها معاهدة كامب ديفيد، وهي لا تستطيع التحلل من هذه الالتزامات، إلا إذا طرأ تحوّل إستراتيجي على أولوياتها الأمنية والسياسية يقتضي إلغاء المعاهدة، والدخول في حرب مع إسرائيل. وهذا أمر لا يلوح في الأفق، ناهيك عن عدم تبنيه من جانب جماعة الإخوان المسلمين والمعارضة على حد سواء. لا أحد من الفاعلين السياسيين في مصر يفكر في أمر كهذا.
وفي هذا المعنى ربما يُسهم المثل السوري في توضيح أبعاد الصورة بطريقة أفضل: منذ العام 1967، وبعد احتلال هضبة الجولان، رفض نظام البعث الحاكم في دمشق إنشاء منظمات سورية لمقاومة الاحتلال، كما رفض فتح جبهة الجولان أمام المنظمات الفلسطينية، التي تولى تدريبها وتسليحها وتحالف معها في مراحل معيّنة، وبعضها مثل منظمة الصاعقة كان جزءاً من الأجهزة الأمنية السورية.
أغلق نظام البعث في دمشق جبهة الجولان أمام المقاومين والممانعين منذ ستة وأربعين عاماً، رغم المزايدة باسم المقاومة والممانعة، والانخراط الفاعل في تسليح وتدريب ميليشيات مسلحة في لبنان والعراق وفلسطين. وعلى الرغم من الصمت المثالي على جبهة الجولان، إلا أن منظمات وميليشيات المقاومة والممانعة في لبنان والعراق وفلسطين، لم تنتقد موقف النظام في دمشق، ولم تر فيه تعبيراً عن خضوع النظام لقواعد اللعبة الدولية والإقليمية في المنطقة، ناهيك عن كونه من تعبيرات هيبة الدولة، التي كان النظام حريصاً عليها في كل زمان ومكان.
موقف المنظمات والميليشيات نفسها من نظام مبارك كان مختلفاً، على الرغم أنه لم يزايد على أحد، والأهم من هذا وذاك أن جانباً من سياسته كان يندرج في إطار التزاماته الدولية، وينسجم مع المصالح الأمنية والإستراتيجية للدولة المصرية، ويدخل في مفهوم وتعبير هيبتها. 
صحيح أنه بالغ في العلاقة مع الأميركيين، وفي التساهل مع الإسرائيليين، وفي تجاهل الدور التقليدي لمصر في العالم العربي، إلا أن ضرورات الأمن القومي، خاصة على حدوده، لم تغب عن المشهد والسلوك السياسي العام.
وليس من السابق لأوانه القول إن نظام الإخوان، إذا أراد البقاء، وإيجاد قواسم مشتركة مع قوى المعارضة، فلن يتمكن من تجاهل ضرورات الأمن القومي، وهيبة الدولة المصرية، ربما سيختلف الشكل والأداء عن نظام مبارك، لكن الجوهر لن يتغيّر.
وإذا لم تدرك حماس هذه الحقيقة، وإذا لم تُسهم في الخروج سريعاً من ورطة الأنفاق، وورطة الوجود على خط التماس بين قوى متصارعة في مصر، فإن ما كان يبدو في وقت ما نوعاً من علامات التمكين، ربما يصبح في وقت قادم حلماً من أحلام اليقظة.

المصدر: 
الأيام


Dr. Radut Consulting