Jump to Navigation


من شابه حاكمه فما ظلم!

لا تمثلني السلطة الفلسطينية أنا اللاجئ الفلسطيني، ولا تمثلني منظمة التحرير الفلسطينية، لا تمثلني حماس بأيديولوجيتها ومنهجيتها ولا يمثلني لا النظام السوري بديكتاتوريته ولا المعارضة السورية بتبعيتها البلهاء، لا يمثلني النظام الطائفي في لبنان، ولا تمثلني السعودية وسياساتها ولا قطر وطموحاتها، غالباً لا يوجد أي نظام سياسي حاكم في الوطن العربي يمثلني أو يمثل جزءاً بسيطاً من حريتي التي أطالب بها وأسعى لتحقيقها.

منذ بدايات الثورات العربية كان المطلب تغيير الأنظمة، وإسقاط الحكام، إلى أن وصلنا إلى تقسيم بلدانا وتوزيعها على المستفيدين والممولين. هل الخلل في مطالبنا؟ هل الخلل في دعم المجتمع الدولي المستمر للأنظمة الفاسدة؟ هل الخلل في المجتمع المُطالب بحريته؟

في حال الدول الديموقراطية يتأثر النظام السياسي بمكونات الدولة الاجتماعية، خصائصها، عاداتها وتقاليدها، وأعرافها المتوارثة والتي تطورت بتطور مفهوم الحياة المشتركة وقيمها وقوانينها وفقاً لحقوق الإنسان والمساواة وغيرها من المبادئ التي استطاعت فرض نفسها في هذه الدول. أما في مجتمعاتنا فمازلنا نتأثر بالنظام السياسي الحاكم، القمعي والهمجي، الرافض للآخر والمهيمن بالقوة، والذي ينعكس على سلوكنا كأفراد بشكل مباشر أو غير مباشر، فنصبح دون أن ندري، مشابهين للحاكم الذي نثور عليه ونطالب برحيله، ونفرض على دوائرنا العائلية والاجتماعية أنظمة وقيود مشابهة لما تفرضه الأنظمة علينا.

من الطبيعي أن لا يستمع قادة المجتمع الدولي لمطالبنا، ومن الطبيعي أن يرى في النظام السوري أو السلطة الفلسطينية أو غيرهما من الأنظمة العربية الحاكمة ممثلين شرعيين لنا، فهي الأقوى وهي القادرة على تغيير مجريات الأحداث وتطوراتها في بلادنا وعلى التحكم بمجتمعاتنا، وستستمر هذه الأنظمة بفرض حكمها وقيودها علينا طالما أننا منقسمون ورافضون لاختلافاتنا الصغيرة ونسعى لتلوين المجتمع بألوان محددة، وطالما أن قداسة العادات والتقاليد من قداسة الدين.

ليس الخلل بمطالبنا، إلا أن وجود الثغرات في مجتمعنا في مختلف أطيافه، كرفض المختلفين/ات وعدم تقبل اختلافهم والسعي للغيهم والتعصب للآراء والتحجر بالفكر، كل ذلك يجعل منا سلعة رخيصة رديئة، ويزيد من الشرخ مما أعدّ البيئة المناسبة التي حولتنا إلى فريسة سهلة لأي نظام ديكتاتوري أو أي محتل عسكري أو أي احتلال أيديولوجي.

قرأت منذ يومين خبراً مفاده أن مظاهرة للمثليين في بئر السبع قد انطلقت، ماذا لو كانت هذه المظاهرة تسير بشكل ودي بوجود حواضن فلسطينية لها؟ ماذا لو كان مجتمعنا قادراً على تغيير القليل من عاداته وتقاليده، واستوعب حرية الأفراد الشخصية في اختيارهم لميولهم والتي هي أدنى الحقوق التي للإنسان أن يتمتع بها.

وغيرها الكثير من العوائق التي تفرضها العادات والتقاليد على حرياتنا في بلادنا، كعدم مقدرة أي شخصين من دينين مختلفين الاستمرار بالحياة معاً بشكل طبيعي في البلاد بسبب التعرض إلى انتهاكات العائلة لاختلاف الدين، المرأة وعدم قدرتها على ممارسة حياتها بشكل طبيعي، التربية الدينية للأطفال وعدم إتاحة الموجود وترك حرية الاختيار لهم، احترام مبادئ حقوق الإنسان والمساواة والتعددية، عدم تقبل الاختلاف ورفض الفكر المغاير. كل ذلك يبرر وجود الأنظمة السياسية الحالية، ويبرر استمرار الاحتلال، ويبشر بالمزيد من الضياع بحقوقنا، ويزيد من خسارة بلداننا للكوادر البشرية الفعالة والنشطة والقادرة على إحداث تغيرات حقيقية نابعة من إيمانها بحق الحياة العادلة والمتساوية مع بقية مكونات الوطن.

لا أتحدث هنا عن التعصب الديني لدين معين، إنما أطرح التعصب الثقافي الذي يمارسه مختلف المؤمنين بمختلف الأديان على من يحسب عليهم وعلى غيرهم، ليس كل المجتمع يؤمن بالعادات والتقاليد، وليس كل المجتمع يتبع ديناً واحداً، الاختلاف طبيعي وتقبله مطلوب لاستمرار الحياة بالشكل الذي نحلم به، لا أحد يطالب بتغيير عادات وتقاليد المجتمع ككل، ولا أحد يطلب من المتمسكين بها بأن يتنازلوا عما يؤمنون، المطلب الوحيد هو احترام الحرية الفردية الشخصية واحترام تطور الحياة الاجتماعية بمختلف العلاقات الإنسانية، إن انفتاح المجتمع وقدرته على تطوير عاداته وتقاليده بما يتناسب مع كافة أطيافه، بالضرورة يؤدي إلى ازدياد الوعي، وهو السلاح الأقوى للتخلص من ديكتاتوريين واحتلالات وأيديولوجيات تتحكم بمصير مجتمعاتنا.

التشارك في بقعة الأرض يجب أن يقوم على مبادئ إنسانية ليس بناءً على خلفيتنا الدينية أو ميولنا الجنسي. في ثوراتنا وانتفاضاتنا لا نرجو فقط التخلص من الشبح العسكري، أو الأنظمة المستمرة بدماء من رحلوا من أصدقائنا ومن سيرحلون، ثوراتنا قامت وستقوم لتحريرنا من العادات والتقاليد البالية أيضاً، من تسلط الدين على سلوكنا، ومن تسلط المجموعة المتشابهة على المجموعات المختلفة عنها، حتى مصطلحات الأقلية والأكثرية في بلداننا ما عادات تمثل طائفة دينية ولا مجموعة عرقية، صارت تشير إلى من يمارس حريته الفردية والشخصية ومن لا يستطيع بفعل العقليات التي ترفض الآخر وتسعى لإلغائه.

بنهاية الأمر، لا تختلف ديكتاتورية رئيس أو حاكم عن ديكتاتورية شخص يفرض رأيه وعاداته وتقاليده على الغير، ولا ديكتاتورية احتلال عسكري يفرض ما يريد بالقوة، عن ديكتاتورية المجموعات الإرهابية التي تقتل باسم الدين الهاربين من الرصاص والمتفجرات، والهاربين من عادات وتقاليد وأيديولوجيات. عدم التعصب الثقافي، والمرونة في اتباع الأديان وتقبل أنماط الحياة وأساليبها على اختلافاتها يتيح المجال لأبنائنا وللأجيال القادمة أن تنمو ببيئة صحية، خالية من التعقيدات المصطنعة والبالية، ويهيئهم لبناء بلداننا كما نطمح أن نراها.

من يطالب برحيل الديكتاتور أو الاحتلال عليه أن يحرر نفسه وعقله أولاً، وأن يرضخ للتعددية الثقافية في مجتمعاتنا، وإلا من شابه حاكمه فما ظلم!

التدوينات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي زمن برس.


.
x

حمّل تطبيق زمن برس مجاناً

Get it on Google Play