تحالف انتخابي من قوى فلسطينية بخلفيات مختلفة: هل ينجح؟

زمن برس، فلسطين: يتزايد الزخم على خط أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ 2006، بعدما دخلت حركات وقوى فلسطينية عدة على خط الاستحقاق الانتخابي المقبل، إذ كشفت مصادر فلسطينية لـ"العربي الجديد"، أمس الخميس، أن قوى فلسطينية اتفقت على تشكيل تحالف سياسي لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. وأوضحت المصادر أنّ هذا التوافق يأتي في وقت كان الإطار التفاوضي للوصول إلى تشكيل تحالف انتخابي قد بدأت مؤشراته أخيراً وعلى أكثر من صعيد، لافتة إلى أن كل طرف له أسبابه ومبرراته للانخراط في التحالف، الذي يضم قوى مختلفة في كل شيء ولا تجمعها أي مواقف سياسية وفكرية، لكنها على خلاف مع السلطة في رام الله وحركة فتح التي يترأسها الرئيس الفلسطيني محمود عباس
من جهته أكد القدوة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه عُقد اجتماع، أمس الخميس، في العاصمة المصرية القاهرة، لمناقشة فكرة تشكيل قائمة وطنية موسّعة تضم كل الفلسطينيين (قوى فلسطينية من مختلف الخلفيات)، لافتاً إلى أنّ "جميع المشاركين في الاجتماع وافقوا على الفكرة، باستثناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي طلبت المزيد من الوقت". كذلك أكدت مصادر من "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"، لـ"العربي الجديد"، مشاركتهم في اجتماع القاهرة أمس الخميس، ممثلة بالأمين العام للجبهة فهد سليمان، لافتة إلى أن الجبهة أرجأت قرارها حول شكل مشاركتها في الانتخابات التشريعية المقبلة حتى يتم نقاش هذه الفكرة في الهيئات التنظيمية الداخلية.
ويدخل المشهد السياسي الفلسطيني مرحلة جديدة، إذ يفتح هذا التحالف الباب لصراع سياسي محتدم بينه وبين حركة فتح التي تعيش سلسلة من الإشكاليات في أعقاب عقد المؤتمر الثامن للحركة، في مايو/ أيار الماضي، والذي شهد ابتعاد شخصيات تاريخية وصعود أخرى مقرّبة من الرئيس الفلسطيني منها ابنه ياسر عباس الذي بات يتصدر المشهد، في كثير من الأوقات بعد انتخابه عضواً في اللجنة المركزية للحركة.
وخلال الأسبوعين الماضيين، شهدت مدينة العلمين المصرية سلسلة من الاجتماعات واللقاءات بين قوى فلسطينية وفصائل كان من أبرزها لقاء عقد بين رئيس حركة حماس خليل الحية، ومسؤول التيار الإصلاحي في "فتح" محمد دحلان. ولدحلان المفصول من "فتح" بعد خلافه العلني مع عباس دور في إقناع "حماس" بالمضي قدماً في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة. وقالت مصادر "العربي الجديد"، إنّ دحلان هو منْ وعد "حماس" بتحصيل مواقف من الجانبين الأميركي والأوروبي بدعم تحوّلها إلى حركة سياسية، وعدم عرقلة مشاركتها في الانتخابات التشريعية المقبلة.
وسبق أن أعلنت "حماس" على لسان عضو مكتبها السياسي حسام بدران، أنها ستشارك في الانتخابات التشريعية المقبلة بالرغم من الاشتراطات التي وضعها عباس، فقد أضيف في التعديلات التي أجرتها السلطة الفلسطينية على قانون الانتخابات، والتي نُشرت في 18 يونيو/ حزيران الماضي، شرط جديد يُلزم كل مرشح بالالتزام بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. وتاريخياً، أجرت السلطة الفلسطينية عمليتين انتخابيتين لمنصب رئيس السلطة الفلسطينية، في عام 1996 التي شهدت انتخاب ياسر عرفات، ثم 2005 التي فاز فيها محمود عباس. وفي مرسوم رئاسي بتاريخ 28 نوفمبر الماضي، اكتفى عباس بالدعوة للانتخابات التشريعية من دون تحديد موعد للانتخابات الرئاسية (نصت تعديلات 2021 على قانون الانتخابات وبعد توافق بين فتح وحماس، على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية غير متلازمة).
ما وراء تحالف قوى فلسطينية مختلفة
في الأثناء، رأى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني إياد القرا، أن هناك أبعاداً عدة للتقارب بين حركة حماس والتيار الإصلاحي في حركة فتح، أبرزها أنه يعكس فشل دولة الاحتلال في إقصاء أي طرف فلسطيني، وتحديداً "حماس"، رغم الحرب وما خلّفته من آثار وتداعيات. وقال لـ"العربي الجديد"، إن هذا التقارب يأتي في سياق الحاجة إلى إعادة ترميم الحالة الوطنية الفلسطينية، بالتوازي مع إعادة إعمار قطاع غزة ومعالجة آثار الحرب، مشيراً إلى أن العلاقة بين "حماس" والتيار الإصلاحي في "فتح" شهدت تطورات رغم وجود تناقضات وتساؤلات سابقة بشأن طبيعة التحالف بين الطرفين.
إياد القرا: التوافق بين الأطراف المنضوية داخل التحالف على برنامج وطني في الشأن الداخلي ليس أمراً صعباً
وفي رأيه، فإن ما صنعته الحرب غيّر الكثير من المواقف، لافتاً إلى أن حركة حماس بدّلت بعض رؤاها في ما يتعلق بهذه العلاقة، في حين أنّ التيار الإصلاحي في "فتح" بات يملك مواقف متقدمة في التعامل مع "حماس"، سواء على الصعيد السياسي أو الإغاثي والتعامل مع قطاع غزة، وكذلك في ملف المفاوضات (وقف الحرب) بشكل أو بآخر. واعتبر القرا أن "التوافق بين الأطراف المنضوية داخل التحالف على برنامج وطني في الشأن الداخلي، ليس أمراً صعباً، خصوصاً في ظل حالة الاستفراد التي تتبعها السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس"، موضحاً أن "مواجهة هذا النهج تمثل مصلحة مشتركة لحماس والتيار الذي يتزعمه دحلان".
ووفق القرا، إن صياغة قوى فلسطينية لبرنامج سياسي مشترك في ظل التغير الذي طرأ على مواقف حركة حماس، والتي باتت ترى أن الأولوية تتمثل في إعادة ترميم قطاع غزة وإعادة إعماره وتعافيه من آثار الحرب، بالتوازي مع إعادة بناء المشروع الوطني والمؤسسات الفلسطينية، "ليست بالصعبة أو المستحيلة". ولفت إلى وجود توجه داخل السلطة الفلسطينية لاختيار قيادة جديدة، سواء كان ذلك ياسر عباس أو نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ أو غيرهما، مضيفاً أن هذه الشخصيات يُنظر إليها من جانب "حماس" والتيار الإصلاحي في "فتح" باعتبارها خصوماً، ويرى الطرفان أنها قد تضرّ بالمشروع الوطني الفلسطيني أكثر مما تفيده.
ماذا بعد التقارب؟
من جانبه، ذكر الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني مصطفى إبراهيم، أن دوافع التقارب بين قوى فلسطينية على رأسها التيار الإصلاحي في حركة فتح وبين حركة حماس قد ترتبط بالرغبة في ممارسة ضغط على السلطة الفلسطينية في ظل حالة الركود السياسي، ولا سيما وسط حركة فتح والسلطة، من أجل خوض الانتخابات بصورة منفردة. وقال لـ"العربي الجديد"، إن العلاقة بين التيار الإصلاحي في "فتح" و"حماس" شهدت خلال الفترة الأخيرة تطوراً ملحوظاً، خصوصاً منذ بدء الاتصالات والمفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة، مشيراً إلى أن التواصل بين الطرفين أصبح أعمق، كما بات التيار يُطلع "حماس" على مختلف التفاصيل المتعلقة بتحرّكاته ومواقفه. ولفت إبراهيم إلى أن حضور محمد دحلان وتوجهاته السياسية في المرحلة الجديدة للمنطقة، تمثل عاملاً مهماً في فهم هذا التقارب، مذكّراً بأنّ التيار الإصلاحي في "فتح" كان، حتى قبل أيام قليلة، يتحدث عن خوض الانتخابات منفرداً، قبل أن تبرز مؤشرات على توجه نحو صيغة تقوم على الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام ومواجهة السلطة الفلسطينية أو الضغط عليها للانخراط في مسار أكثر شمولاً.
مصطفى إبراهيم: التحالف أقرب إلى برنامج انتخابي وخدماتي في ظل وجود اختلافات بين "حماس" والتيار الإصلاحي في "فتح"
تحالف قوى فلسطينية مختلفة في هذه المرحلة، وفق إبراهيم، قد يكون انتخابياً أكثر منه سياسياً، رغم وجود أرضية سياسية مشتركة بدأت تتشكل بفعل تطور العلاقة بين التيار الإصلاحي في "فتح" و"حماس"، مستبعداً أن يقوم التحالف بالضرورة على برنامج سياسي متكامل. ورجّح أن يكون أقرب إلى برنامج انتخابي وخدماتي في ظل وجود اختلافات سياسية كبيرة بين "حماس" والتيار الإصلاحي في "فتح"، لكنه رأى أن الأطراف قد تتوافق على مجموعة من الثوابت الوطنية الفلسطينية، بما يشمل التمسك بالحقوق الوطنية، ومواجهة الاحتلال، والاستناد إلى الشرعية الدولية، والمطالبة بانسحاب الاحتلال، مع اختلاف أدوات العمل السياسي لكل طرف. واعتبر أن ما يجري يمثل تحوّلاً لافتاً في طبيعة التحالفات الفلسطينية، في ظل وجود تحرّكات موازية من جانب السلطة الفلسطينية باتجاه "حماس"، واحتمال عقد لقاءات في القاهرة بين ممثلين عن حركتي فتح وحماس وفصائل فلسطينية أخرى لبحث ملف الانتخابات، بما في ذلك مسألة إجرائها في موعدها أو تأجيلها.




