كواليس المفاوضات الشاقة نحو الاتفاق الأميركي الإيراني والدور الإنقاذي لقطر

زمن برس، فلسطين: على مدرج المطار في طهران، انتظر الوسطاء القطريون سبع ساعات متواصلة حتى الساعة السابعة صباحاً، يتابعون عن بعد كيف توشك أسابيع من الدبلوماسية المكوكية على الانهيار في دقائق. كانوا قبل ساعات قليلة يستعدون للعودة إلى الدوحة، وقد لاحت في الأفق ملامح تفاهم يتضمن تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإطاراً للتفاوض النووي، حين انطلقت المقاتلات الأميركية لتضرب أهدافاً في جنوب إيران، فردّت طهران بصواريخ ومسيّرات على قواعد أميركية في الأردن والبحرين والكويت. هذا المشهد، الذي كشفته صحيفة "فاينانشال تايمز" في تقرير مطول، يختزل التوتر الذي رافق جهداً دبلوماسياً امتد شهراً كاملاً لمنع واشنطن وطهران من الانزلاق مجدداً إلى حرب مفتوحة.
مذكرة التفاهم من صفحة واحدة وأربع عشرة نقطة، التي تفاوضت بشأنها كل من قطر وباكستان، كانت تستهدف تمديد وقف إطلاق النار الذي أبرم في الثامن من إبريل/نيسان الماضي. غير أن إخراجها إلى النور تطلب التعامل مع تقلبات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونفاد صبره من جهة، وحاجة طهران إلى إخراج أي تسوية بصورة شرعية أمام جمهورها الداخلي من جهة أخرى. وبحسب دبلوماسي تحدث للصحيفة البريطانية، فإن أبرز التحديات أمام الوسطاء كان "اختلاف الأسلوب" بين رغبة ترامب في صفقة سريعة، وحاجة الإيرانيين إلى مسار تفاوضي طويل قد يمتد أسابيع أو سنوات.
نقطة التحول
جاءت نقطة التحول الحاسمة في منتصف مايو/أيار، حين تعثرت المحادثات بعد هدنة الثامن من إبريل/ نيسان، وفشل لقاء المتابعة في إسلام أباد بقيادة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. وكانت الهدنة على وشك الانهيار، إذ حذر ترامب من أنها باتت على "أجهزة دعم الحياة"، ووصف آخر مقترح إيراني بأنه "قطعة قمامة"، فيما تصاعدت مخاطر العودة إلى الحرب رغم استمرار قنوات الاتصال الخلفية.
في تلك المرحلة، طلبت واشنطن من الدوحة الانتقال إلى الواجهة، بعد أن كانت تؤدي دوراً مساعداً لباكستان التي اختيرت بشكل مفاجئ لقيادة الوساطة، إلى جانب مصر وتركيا. وقد رسخت قطر نفسها قناةً مفضلة لواشنطن في الحوار في عدة حروب، وفق ما تقول الصحيفة. وتوجه الوفد القطري، بقيادة الوسيطين علي الذوادي وحمد الكبيسي، إلى طهران عبر تركيا حفاظاً على سرية المهمة. وفي الوقت ذاته، استثمرت إسلام أباد، الحديثة عهداً بهذا الدور، علاقاتها مع دائرة ترامب الضيقة بعد نجاحها في تثبيت هدنة إبريل، التي أعقبتها أرفع محادثات مباشرة بين طهران وواشنطن منذ عام 1979.
أبرز التحديات أمام الوسطاء كان اختلاف الأسلوب بين رغبة ترامب في صفقة سريعة، وحاجة الإيرانيين إلى مسار تفاوضي طويل قد يمتد أسابيع أو سنوات
وشكلت الثقة المعدومة بين الطرفين العقبة الأكبر أمام الوسطاء. فالإيرانيون، وفق مصادر مطلعة تحدثت لـ"فاينانشال تايمز"، كانوا "في غاية الريبة" من نوايا ترامب، خصوصاً بعد أن تعرضت طهران لهجمات أميركية وإسرائيلية مرتين خلال محادثات سابقة، أولاهما قبل حرب الأيام الاثني عشر التي شنتها إسرائيل في يونيو/حزيران من العام الماضي، وثانيهما قبل اندلاع الجولة الراهنة في الثامن والعشرين من فبراير/شباط. وقالت المصادر للصحيفة إن طهران رأت في كل تحرك دبلوماسي "مقدمة محتملة لهجوم"، وإن مهمة الوسطاء انصبت على ترميم ما يمكن ترميمه من ثقة.
ومع مغادرة الوفد طهران في منتصف مايو، كان الوسطاء يشعرون بأنهم يحملون مقترحاً جدياً يحظى بقبول المسؤولين الأميركيين، قبل أن يبلغوا فور خروجهم بأن ترامب يفكر في توجيه ضربة. وفي محاولة لإنقاذ المسار، اتصل قادة قطر والسعودية والإمارات بالرئيس الأميركي، مؤكدين قرب التوصل إلى اتفاق وحاثينه على ضبط النفس. واستجاب ترامب، وأعلن في اليوم نفسه أنه علق هجوماً كان مقرراً لليوم التالي بسبب "مفاوضات جدية" مع طهران.
التفاوض تحت ساعة ترامب
في صباح الثلاثاء التاسع عشر من مايو، توجه الوفد القطري إلى واشنطن لإطلاع نائب الرئيس فانس والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، على تفاصيل المحادثات. ثم وضع ترامب موعداً نهائياً، قائلاً إن "على الرد الإيراني أن يصل قبل نهاية الأسبوع، وإلا فلن يتراجع عن الضربات".
في الليلة السابقة لعودة الوسطاء إلى طهران، أبلغت دولتان غربيتان كلاً من قطر وباكستان بأن إسرائيل تدرس توجيه ضربة لإيران خلال الأسبوع نفسه. وأجرى المسؤولون القطريون اتصالات محمومة لانتزاع ضمانات بعدم الهجوم خلال وجود الفريق في طهران، وحين توفرت تلك الضمانات، حطت طائرتهم في العاصمة الإيرانية صباح الجمعة الثاني والعشرين من مايو.
أمضى الوسطاء ساعات طويلة في مفاوضات مع كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، تمحورت حول ثلاث قضايا رئيسية وهي:
- المطلب الإيراني بالتزام أميركي بإنهاء الحرب نهائياً
- والحصول على ضمانات بأن طهران ستبحث مع واشنطن مصير مخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة عالية تقارب المستوى العسكري والبالغ 440 كيلوغراماً
- فضلاً عن مصير مضيق هرمز.
كان كلا الطرفين يعتقد أنه يملك أوراق الضغط. فإيران كانت قد أغلقت المضيق فعلياً منذ اندلاع الحرب في فبراير/ شباط، محدثة أسوأ أزمة طاقة عالمية منذ عقود، وتمسكت بمطلب فرض رسوم على السفن المارة من تلك النقطة الحيوية. لكن الوسطاء نجحوا في إقناع طهران بتأجيل هذا المطلب طوال فترة تمديد الهدنة البالغة ستين يوماً.
وصل قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران مساء الجمعة نفسه لتعزيز الجهود. وأشار دبلوماسي غربي إلى أن "الباكستانيين كانوا واجهة العملية، بفضل علاقة المشير بترامب، لكن القطريين أنجزوا بهدوء معظم العمل الثقيل في تقريب الطرفين". وفي الساعات الأولى من صباح السبت الثالث والعشرين من مايو، وافقت إيران أخيراً على التزام ببحث تخفيف مخزون اليورانيوم أو تسليمه، مقابل تعهّد أميركي بمسار تدريجي لرفع العقوبات يرتبط بتقدّم المفاوضات نحو الاتفاق النهائي.
التعقيد الإسرائيلي
مساء السبت، أعلن ترامب أن الاتفاق "جرى التفاوض على معظمه" وسيُعلَن قريباً، غير أن المساومات تواصلت. وسافر قاليباف وعراقجي إلى الدوحة في الخامس والعشرين من مايو لمزيد من المحادثات بصحبة محافظ البنك المركزي الإيراني. ووصف أحد المطلعين على المحادثات الإيرانيين بأنهم "مفاوضون شديدو الدقة، يدققون في كل كلمة ويفاوضون على معناها".
ومع تأخر التوقيع، تنقل الوسطاء القطريون مجدداً، هذه المرة إلى ميامي للقاء ويتكوف وكوشنر. وفي السادس من يونيو/حزيران، كان وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران في زيارته الرابعة منذ اندلاع الحرب، حاملاً رسالة إلى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي.
كان الوسطاء القطريون قبل ساعات قليلة يستعدون للعودة إلى الدوحة، وقد لاحت في الأفق ملامح تفاهم، حين انطلقت المقاتلات الأميركية لتضرب أهدافاً في جنوب إيران
وفي الأسبوع الماضي، ظن الوسطاء مجدداً أنهم على عتبة الاتفاق، حين برزت عقبة جديدة بعد أن حمل ترامب طهران مسؤولية إسقاط مروحية أباتشي أميركية. ورغم نجاة الطاقم وإشارة إيران إلى أن الحادث وقع عن طريق الخطأ، أعلن ترامب أن الرد ضرورة، فجرى تبادلان متتاليان لإطلاق النار خلال ليلتين، شملا الاشتباك الذي علق بسببه الوسطاء القطريون على مدرج المطار.
ومرة أخرى، تحركت العواصم الإقليمية. وبحسب دبلوماسيين باكستانيين وعرب نقلت عنهم "فاينانشال تايمز"، اتّصل كل من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والقائد العسكري الباكستاني بالرئيس الأميركي لإثنائه عن مزيد من الضربات. وبدأ ترامب يومه الخميس بالتهديد بضربات إضافية وبأن القوات الأميركية قد تستولي على جزيرة خارج، الميناء الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، قبل أن يعلن بعد ساعات أن النقاط الأخيرة للاتفاق "حظيت بموافقة جميع الأطراف" فيما وصفه بـ"تسوية عظيمة للحرب".
الدفعة الأخيرة
عاد المفاوضون القطريون إلى طهران بعد إعلان ترامب يوم السبت أن مذكرة التفاهم ستوقع الأحد. وفي تلك اللحظة، ضربت إسرائيل بيروت من جديد، فأجرى ترامب اتصالاً غاضباً بنتنياهو قال فيه إن الضربة "ما كان ينبغي أن تحدث"، مؤكداً عدم قبوله أي هجمات إسرائيلية إضافية "في أي مكان في لبنان".
أمضى الوسطاء القطريون سبع عشرة ساعة في طهران، توقفوا في إحداها لمتابعة مباراة في كأس العالم المقامة في الولايات المتحدة (في إشارة إلى مباراة منتخب قطر ضدّ سويسرا، والتي انتهت بتعادل 1-1). وفي لحظة من اللحظات، هدد القطريون بالانسحاب من المفاوضات بعد إصرار الجانب الإيراني على تعديلات إضافية على الصياغة، محذرين من أن عدم إبرام الاتفاق قبل دخول ترامب فعالية الـ"يو إف سي" في البيت الأبيض للاحتفال بعيد ميلاده الثمانين قد يعني ضربات أميركية في اليوم التالي.
وفي تقاطع مع ما ذكرته "فاينانشال تايمز"، أوردت "وول ستريت جورنال" أن الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت كادت تطيح بالاتفاق في ساعاته الأخيرة، بعدما اعتبرها مسؤولون إيرانيون دليلاً على أن واشنطن إما غير قادرة أو غير راغبة في كبح حليفتها الإسرائيلية، ولوّحوا برد وشيك. وبحسب الصحيفة، سارع مسؤولون قطريون كبار إلى التوجه إلى طهران في محاولة لإنقاذ التفاهم، حيث خاضوا مفاوضات ماراثونية استمرت 16 ساعة مع المسؤولين الإيرانيين قبل التوصل إلى الصيغة النهائية للاتفاق. كما نقلت عن مسؤول مطلع أن تلك الجهود جاءت فيما كان ترامب وكبار مساعديه يحاولون دفع الاتفاق إلى خط النهاية، وسط مخاوف من انهياره في اللحظات الأخيرة.
وأضافت الصحيفة أن الاتفاق واجه أيضاً تشكيكاً داخل الأوساط السياسية الأميركية، إذ لم يكن نصه قد نشر بعد رغم مطالبة أعضاء في الكونغرس بالاطلاع عليه. وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن ترامب كان يضغط منذ أيام للإعلان عن الاتفاق وإنهاء الحرب، فيما رأت أوساط داخل الإدارة أن التفاهم المطروح، رغم نواقصه، يمثل أفضل نتيجة يمكن تحقيقها في الظروف الراهنة. كما لفتت إلى أن الوسطاء القطريين عادوا من طهران قبل أيام بصياغة جديدة لمسودة الاتفاق، وأن الإدارة الأميركية قررت بعدها المضي في المسار التفاوضي بدلاً من العودة إلى خيار التصعيد العسكري، قبل أن تُستكمل التفاهمات النهائية في الساعات التي سبقت التوقيع الإلكتروني على المذكرة.
عن الدور القطري
ويقول المدير العام للمركز القطري للصحافة صادق العماري، في رده على سؤال لـ"العربي الجديد" عن الدور القطري في التوصل للتفاهمات بين واشنطن وطهران، إنه "حين تنغلق الأبواب تملك قطر مفاتيح الأقفال، وفي شؤون الوساطة يبرز الدور القطري جلياً، نظراً للخبرات الطويلة المتراكمة في الوساطة والقدرة الهائلة على تقريب وجهات النظر وتحقيق مصالح الجميع، إذ نجحت الدوحة في وضع بصمتها ونزعت فتيل الأزمة الراهنة وحققت اختراقاً مهماً بين أطراف صعبة، مما يجعل المنطقة تنعم بالسلام والاستقرار مجدداً".
وأضاف العماري: "لا أشك في أن الدور الباكستاني كان في غاية الأهمية، إلا أن الخبرة الطويلة لدولة قطر في فك عقد الأزمات شكلت دفعة قوية لإسلام أباد حتى تنجح في تحقيق أهدافها بوقف الحرب والوصول إلى اتفاق نهائي"، لافتاً إلى أن "قطر تملك سجلاً حافلاً في جمع المتصارعين والوصول بهم إلى بر الأمان، وعقيدتها في ذلك أن الحوار هو السبيل الوحيد للحل، وفي عالم مضطرب لا تستمع فيه الأطراف إلى صوت السلام، يأتي الدور القطري ليضع الجميع على طاولة الحوار". وتابع: "لا شك في أننا سعداء بانتهاء هذه الحرب ووقف الأعمال العدائية تجاه لبنان، ولا بد من الإشادة بدور الحكومة الباكستانية والدور القطري، والشكر كذلك لكل الأطراف الأخرى التي ساعدت في إنجاح هذا الاتفاق".
بدأ ترامب يومه بالتهديد بضربات إضافية، قبل أن يعلن بعد ساعات أن النقاط الأخيرة للاتفاق حظيت بموافقة جميع الأطراف
من جهته، قال أستاذ كرسي دولة قطر لدراسة المنطقة الإسلامية في جامعة واسيدا اليابانية، الباحث العُماني عبد الله باعبود، لـ"العربي الجديد"، إن دور قطر كان أساسياً ومحورياً في الوساطة بين واشنطن وطهران وفي التوصّل إلى اتفاق الإطار. ولفت إلى أن قطر أدّت دوراً دبلوماسياً مهماً في تهيئة البيئة السياسية والإقليمية التي ساعدت على نجاح المفاوضات الأميركية-الإيرانية.
وأضاف: "رغم أنها لم تكن الوسيط المباشر، فإنها استخدمت علاقاتها الوثيقة مع مختلف الأطراف لدعم جهود خفض التصعيد وتعزيز فرص التوصل إلى اتفاق. كما وفّرت دعماً سياسياً وإقليمياً مهماً للوساطة الباكستانية، وساهمت في بناء توافق أوسع حول ضرورة الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الحوار والتسوية السياسية". ووفقاً لباعبود، فإنه من منظور أوسع، ما قامت به قطر يعكس نهجها التقليدي في الدبلوماسية الوقائية وبناء الجسور، إذ عملت بالتوازي مع الوساطة الباكستانية على تعبئة الدعم الإقليمي والدولي للاتفاق، بما ساعد على تحويله من تفاهم ثنائي إلى مسار يحظى بقبول إقليمي أوسع.





