الاقصى والقضاء الاسرائيلي

عادل عبد الرحمن

في إطار الهجمة الاسرائيلية المتواصلة على مدينة القدس الشرقية ومعالمها الحضارية والاماكن المقدسة المسيحية والاسلامية، خضع المسجد الاقصى لحملة مكثفة غير مسبوقة بهدف تقويضه من خلال الحفريات المتواصلة تحته، وتغيير المعالم المحيطة به، وبناء كنس يهودية حوله، واخيراً مواصلة اقتحامه من قبل قطعان المستوطنين للسطو عليه، ومقاسمة اتباع الديانة الاسلامية أداء الشعائر الدينية به، إسوة بما هو قائم في الحرم الابراهيمي الشريف في مدينة الخليل.

ولتبرير إنتهاكات واعتداءات قطعان المستوطنين للمسجد الاقصى، وتبرئة ساحتهم، قام إيهود فينشتاين، المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية، بتعميم رأي قانوني مفاده، "أن المسجد الاقصى جزء لا يتجزأ من دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية، وانه يخضع للقوانين الاسرائيلية : قانون الآثار، وقانون التنظيم والبناء."

وتابع فينشتاين تعميق رأيه القانوني الاحتلالي المناقض لروح القانون الفلسطيني والعربي والاممي، فطالب من لا حق له من الجهات الاسرائيلية المغتصبة بالعمل على "تطبيق القانون ، وإجراء مراقبة منتظمة في محيط المسجد الاقصى، للوقوف عن كثب على الاعمال الجارية فيه للتأكد من سلامة الآثار فيه، وانه على سلطة الآثار إحالة تقاريرها عما يجري في محيط المسجد الى مجلس الامن القومي وسكرتير الحكومة."

وتساوقا مع تعميم المستشار القانوني لحكومة اقصى اليمين، قامت قاضية محكمة الصلح في مدينة القدس قبل ايام بإصدار قرار قضائي تسمح بموجبه لقطعان المستوطنين "الصلاة في الحرم القدسي تحت حراسة قوات الامن." وطالبت الشرطة الاسرائيلية ، بعدم الاستجابة لمطالب المسلمين المعارضة لدخول اليهود المسجد الاقصى.

الرأيان الاسرائيليان مخالفين للشرائع والقوانين والمعايير الدينية والاممية. فاولا المسجد الاقصى وعموم مدينة القدس الشرقية ، هي اراض محتلة عام 1967، وإصدار قانون من الكنيست الاسرائيلي بضم المدينة المقدسة، لا يعني أن القدس امست تخضع للقانون الاسرائيلي إلآ من زاوية انها مدينة محتلة؛ ثانيا اتفاقيات جنيف الرابعة للعام 1949 وغيرها من القوانين والقرارات الدولية الاممية والاوروبية ترفض من حيث المبدأ السياسات الاسرائيلية، ونددت في العديد من القرارات الصادرة عن منابرها (الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي، ومحكمة العدل الدولية ومنظمة التعاون الاسلامي ومنظمة عدم الانحياز .. الخ) بالاجراءات والانتهاكات الاسرائيلية في مدينة القدس عموما والمسجد الاقصى خصوصا؛ ثالثا من الزاوية الدينية، وعلى فرض ان المسجد الاقصى "يخضع" للقوانين الاسرائيلية، فإن دخول المسجد الاقصى، كاحد اهم الاماكن الاسلامية قداسة، يعتبر تدنيسا وانتهاكا فجا من قبل اتباع الديانة اليهودية، كما يعتبر تأجيجا لمشاعر السخط والغضب في اوساط المسلمين، لا سيما وان الدخول للمسجد الاقصى لا يتبع التعاليم الاسلامية، وايضا يأتي في إطار الاعمال والجرائم الاسرائيلية العدائية لمصالح الشعب العربي الفلسطيني ككل وخاصة اتباع الديانة الاسلامية، وهم الاغلبية السكانية في البلاد، لان الهدف تهويد المسجد الاقصى كخطوة على طريثق تدميره وإقامة الهيكل الثالث على انقاضه.

لتحقيق الاهداف العدوانية، قام الاسرائيليون بسلسلة من الاجراءات والانتهاكات التمهيدية لعملية التقسيم للمسجد الاقصى، فكانت البداية إطلاق حملة إعلامية وسياسية ومن ثم قانونية، حيث قام بعض اعضاء الكنيست من كتلة "الاتحاد الوطني" (أرييه الداد ) بمحاولة تشريع تقسيم الاقصى؛ وتبعه النائب عن الليكود "زئيف إلكين" ، الذي تعهد بالعمل على تأمين وصول اليهود الى المسجد الاقصى في ايام محددة؟! وتلا ذلك عمليات الاقتحام المتوالية والمتكررة من قبل قطعان المستوطنين، لفرض الامر الواقع.

مما لا شك فيه، ان توجيه الرئيس محمود عباس للجنة الاقصى للاجتماع ، ومنظمة التعاون الاسلامي والجامعة العربية رسائل عاجلة لمطالبة المنظمات المذكورة باتخاذ الموقف المناسب، تعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن الانتهاكات الاسرائيلية تتطلب تحركا اوسع واعمق مقترن بتعزيز المقاومة الشعبية في القدس وكل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وايضا ضرورة مطالبة الامم المتحدة، التي مازالت تعقد دورتها ال 67 باتخاذ القرارات المناسبة، فضلا عن ان طلب العضوية غير الكاملة للدولة الفلسطينية يصب في ذات الاتجاه الايجابي.

كما ان الضرورة تملي التوجه لمحكمة العدل الدولية ومطالبتها بإصدار قرار قانوني كما حصل مع جدار الفصل العنصري، وايضا التوجه لاتباع الديانات السماوية المختلفة وخاصة للفاتيكان وغيرها من المنابر الدينية واليونيسكو ايضا، لاسيما وان فينشتاين أدخل سلطة الاثار الاسرائيلية في تعميمه المستهدف المسجد الاقصى، خاصة وان الاقصى يعتبر إضافة الى انه احد الاماكن المقدسة للمسلمين، ايضا يعتبر موقعا اثريا بامتياز، وكما طالبت السلطة اعتماد كنيسة المهد ضمن قائمة الآثار الواجب حمايتها، عليها مطالبة اليونيسكو بادراج المسجد الاقصى ضمن الاماكن الاثرية الفلسطينية والعربية والاسلامية، المطلوب حمايتها.. الضرورة تملي على القيادات الفلسطينية السياسية والدينية وذات الاختصاص في الاثار والسياحة توسيع جبهة المواجهة مع حكومة نتنياهو المتطرفة، والتصدي لها في المحافل المختلفة المحلية والعربية والاسلامية والمسيحية واليهودية إن وجدت والاممية لقطع الطريق على جريمتها المستهدفة للمسجد الاقصى، اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

a.a.alrhman@gmail.com